تتوالى منذ فترة المؤتمرات حول مسيحيّي الشرق الأوسط. وليس في ارتفاع وتيرة انعقادها سوى دليل قاطع على حالة القلق التي تعتري هذا المكوّن الأساسي من المجتمع العربي والذي يعود وجوده إلى مرحلة ما قبل الإسلام. فالأخطار التي تهدّد هذا الوجود كثيرة، منها القديم من قبيل تراجعهم (المسيحّيون) على المستوى الديموغرافي. ويعود ذلك إلى أسباب هيكليّة مثل انعدام الحريات السياسيّة وتراجع النمو، أو إلى الأزمات السياسيّة والحروب المتعاقبة، أو إلى اعتماد سياسات اقتصاديّة تحدّ من فرص النجاح وتقلّل من فرص العمل مثل موجات التأميم الاقتصادي التي كانت رائجة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. ومن تلك الأخطار أيضاً ما هو جديد-قديم، فرضته بشكل درامي إرهاصات الثورات العربيّة وما واكبها من صعود للتيارات الإسلاميّة.
والحقّ يقال إن بروز نجم الحركات الإسلاميّة ليس بالعامل الذي تطمئنّ له المجموعات التي لا تعتنق الدين الإسلامي، وحتى شرائح عديدة من المجتمع العربي التي وإن كانت ملتزمة بمبادئ الإسلام وطقوسه وشعائره إلا أنها تتطلّع إلى الحداثة بما تعني من تغليب لحقوق الأفراد على أي قيم أخرى ويكون الضامن لها دولة مدنيّة ديمقراطيّة. فما شهدته مصر مع وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة ومحاولاتهم للاستئثار بالسلطة إن لجهة خوضهم الانتخابات النيابيّة منفردين رافضين التحالفات ومدّ جسور مع بقيّة مكوّنات المجتمع المصري أو لجهة حصر عمليّة كتابة الدستور بفريق موال لهم خاضع كلياً لعقيدتهم، لم يشكّل عنصر طمأنة للمسيحيّين. ولا شكّ في أنه أضعف من حماستهم للربيع العربي بعدما كانوا في طلائعه، لما حمل من بذور تغيير باتجاه الحداثة وتكريس حقّ المشاركة وتقرير المصير.
ولا شكّ أيضاً في أن تراجع الدور المسيحي في لبنان شكّل عاملاً إضافياً لحالة الإحباط التي غلبت مؤخراً على سائر مسيحيّي الشرق. فالاهتزازات الإقليميّة التي تعرّض لها لبنان منذ النكبة الفلسطينيّة ودخول أعداد هائلة من اللاجئين الفلسطينيّين إلى أراضيه، وصولاً إلى كافة الحروب الإسرئيليّة-العربيّة التي لم يشارك لبنان بها ومروراً بموجة الناصريّة العارمة التي أدخلته في أوّل أزمة ذات لون طائفي منذ استقلاله في العام 1943.. كلّ هذه العوامل أضعفت تماسك عقده الاجتماعي وقضمت من مقومّات سيادته. وما كانت الانقسامات الداخليّة لا بل حروب الأشقاء (1989 –1990) سوى الضربة القاضية لهذا الدور التي ارتبطت به بشكل رمزي وسيكولوجي المجموعات المسيحيّة المنتشرة في المشرق. فمع خضوع لبنان للوصاية السوريّة وتطبيق هذه الأخيرة وثيقة الطائف باستنسابيّة ومع بروز دور حزب الله في الدخل اللبناني كذراع عسكري لإيران المتحالفة مع النظام السوري وذلك على حساب الدولة اللبنانيّة ومؤسّساتها السياديّة، انحسر دور المسيحيّين والموارنة على وجه الخصوص. فالمعادلة في غاية البساطة: كلما ضعفت الدولة في لبنان كلما تراجع دور الطائفة المؤسّسة لهذا البلد الصغير.
إذا كانت الموجة الإسلاميّة المستفيقة تشكّل تهديداً للمسيحيّين ولسائر القوى المدنيّة التي تعارض التطبيق الحرفي للشريعة الإسلاميّة الذي لا يتاوفق مع مقتضيات العصر، فهذا لا يعني أبداً أن الأنظمة الدكتاتوريّة السابقة هي الحلّ. والواقع أن هذه الأنظمة سعت (ومن بقى منها ما زال يفعل) إلى تقديم نفسها كحامية للأقليات، وإن كانت تلك الحماية على حساب قناعات تلك الأقليات أو حقوقها الأساسيّة وعلى رأسها حقّها بالمشاركة. وكأن معادلة وجود تلك الأقليات تكمن في مقايضة حريّتها بأمنها. حتى أن تسمية "أقليات" أصبحت تحمل في معانيها الخوف الدفينوالحقوق المنتقصة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.