تطغى ظاهرة العزاء الشيعيّة في خلال شهرَي محرّم وصفر الهجريَّين على الساحة الاجتماعيّة في المناطق الشيعيّة في العراق، بحيث ينتشر اللون الأسود والرايات والرموز الشيعيّة في أنحاء المدن والقرى وعلى الطرقات وتُبَث تسجيلات خاصة في كلّ مكان وتخرج مواكب العزاء في مسيرات كبيرة من أقصى مدن الجنوب والوسط لتنتهي إلى تجمّعات مليونيّة في العاشر من محرّم والعشرون من صفر في كربلاء.
وراحت هذه الظاهرة تشكّل سلطة اجتماعيّة شموليّة يصعب على غير الشيعة أن ينأوا بأنفسهم عنها. وبالتالي تؤدّي بغير الشيعة إلى التعاطي معها وفق واحد من خيارَين اثنَين: إما أن يتفاعلوا معها بشكل إيجابي تماهياً مع الأغلبيّة أو ينحازوا إلى هويّتهم الطائفيّة بشكل أعمق كردّ فعل على هذه السلطة الاجتماعيّة الشموليّة. وبالتالي، تشكّل كيفيّة ممارسة هذه الظاهرة تحدياً اجتماعياً لطوائف مختلفة في العراق بشكل أو بآخر.
كانت ظاهرة العزاء الشيعي ما قبل بروز الطائفيّة في العراق، تشكّل حالة ثقافيّة عامة في البلد، إذ كانت الطوائف الأخرى تشارك الشيعة في هذه المراسم من منطلق عاطفي وليس ديني. وهذه الحالة ما زالت موجودة إلى حدّ ما في بعض المناطق، على الرغم من انحسارها بسبب التخندق الطائفي والتشدّد في القيام بهذه الممارسات. وبالتالي أصبحت لهذه الظاهرة خصوصيّة مرتبطة بالهويّة الشيعة أكثر من كونها ممارسة ثقافيّة إنسانية تُتاح للآخرين المشاركة فيها.
تشعر الأقليات بأنها محاصَرة ومهاجَمة ضمن بيئة ثقافيّة طاغية حيث لا يُتاح لها الحضور الاجتماعي في الفضاء العام إلا في سياق ثقافة الأغلبيّة الدينيّة السائدة. وعليه، تحاول تجنّب الاصطدام بهذه السلطة الاجتماعيّة عبر الامتناع عن القيام بأي عمل يمكن أن يُفهم بأنه مناقض لظاهرة العزاء. ويُعتبر أبرز مثال لما ذكر ما يحدث ويتكرّر في السنوات القليلة الماضية، إذ يتزامن فيها زمن عيد الميلاد مع زمن العزاء الشيعي. لذا أصدرت الشخصيات الدينيّة المسيحيّة بيانات تطلب فيها من أتباعها حصر الاحتفالات المسيحيّة في داخل الكنائس وتجنّب أي شكل من أشكال مظاهر الفرح والزينة في الفضاء الاجتماعي العام. وقد قوبلت تلك البيانات بترحيب واسع من قبل المواكب والمنظمات الدينيّة الشيعيّة، وقد اعتُبِر تضامناً من قبل المسيحيّين مع الشيعة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.