شهد الفضاء الإعلامي التلفزيوني العراقي تحولات هائلة منذ العام 2003. فبعد أن كان العراقيّون مجبرين على مشاهدة قناتَين تلفزيونيّتَين محليّتَين فقط، إحداهما تدار من قبل وزارة الاعلام والأخرى من قبل نجل الرئيس الراحل صدّام حسين، صار لديهم اليوم عشرات القنوات الفضائيّة المتخصّصة في الشأن العراقي المحلي. ومن أبرز المظاهر التي انتشرت في الأشهر الأولى التي تلت سقوط نظام صدّام حسين، إقبال العوائل العراقيّة على شراء أطباق التقاط القنوات الفضائيّة. ولم تشذّ عن تلك القاعدة، حتى العوائل الفقيرة جداً. فعكس هذا الإقبال توقاً شديداً إلى التعرّف على العالم الخارجي، الذي كان العراقيّون معزولين عنه بفعل الرقابة الشديدة التي كان يمارسها النظام. وقد حصل انتقال مدهش وسريع من نموذج الدولة المبنيّة على الرقابة والتي تشبه تلك التي تحدّث عنها جورج أورويل في روايته "1984"، إلى حالة من "الحريّة غير المنظّمة" كما وصفها وزير الدفاع الأميركي الأسبق دونالد رامسفيلد.
وفي خلال فترة قصيرة، بدأت تظهر قنوات فضائيّة عراقيّة تزاحم القنوات العربيّة الكبيرة مثل "الجزيرة" و"العربيّة"، في تغطية الشأن العراقي. وكانت أولى تلك القنوات قناة "العراقيّة" الرسميّة التي أنشِئت على أمل أن تصبح نموذجاً عراقياً لقناة "بي بي سي"، كقناة عامة مستقلة ومموّلة من الميزانيّة العام. ثم ظهرت قنوات أخرى مثل "الشرقيّة" و"البغداديّة" و"السومريّة" التي مثلت مشاريع خاصة، على الرغم من أن بعضها حصل على دعم خارجي.
ومع نمو إمكانيات الأحزاب السياسيّة العراقيّة بفعل الموارد التي حصلت عليها من جرّاء سيطرتها على المناصب الحكوميّة أو من خلال الدعم المالي الخارجي، تزايد عدد القنوات ذات الطابع السياسي والتي تلتقي مع توجّهات الحزب المموّل. فظهرت قنوات مثل "الفرات" و"بلادي" و"المسار" و"آفاق" و"بغداد" و"الرشيد" و"الرافدين" وغيرها. وقد بات واضحاً في السنوات الأخيرة أن الفضاء التلفزيوني العراقي منقسم سياسياً وصار يعكس إلى حدّ كبير التنافسات الموجودة في داخل النخبة السياسيّة.
وثمّة اعتقاد واسع النطاق بأن قناة "العراقيّة" الرسميّة فقدت استقلاليّتها وأصبحت خاضعة تماماً لإرادة الحكومة وتوجيهاتها، إلى حدّ جعل نواباً في البرلمان يهدّدون بحجب الميزانيّة الماليّة عنها. كذلك فإن معظم القنوات الأخرى صارت أسيرة التأثيرات السياسيّة المؤيّدة أو المعارضة للحكومة. وقد استنتج الكثيرون أن دور الإعلام في العراق يقوم على تعميق الشروخ الإثنيّة والطائفيّة، لا على تجاوزها.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.