رسالتان متمايزتان وقد تكونان متكاملتَين، وجّههما الرئيس السوري بشار الأسد في شكل متزامن في الأيام الماضية. الأولى مباشرة وموجّهة إلى موسكو، فيما الثانية موجّهة إلى واشنطن لكن بشكل غير مباشر وبلغة الإيحاء. أما خلاصة الرسالتَين معاً فهي أن سوريا جاهزة لكل الاحتمالات، والأهم أن نظامها مستعدّ لاتخاذ كل المبادرات وكذلك لتلقيها.
مصادر سوريّة عالية الصدقيّة كشفت لـ"المونيتور" تفاصيل الأمرَين. فتوضح في المسألة الأولى أنه في الساعات القليلة التي تلت أزمة أوكرانيا وخصوصاً بعد التحرّك العسكري الروسي في شبه جزيرة القرم، وجّه الرئيس السوري بشار الأسد رسالة خاصة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يبلغه فيها أنه يضع كل إمكانات بلاده وكل جغرافيا سوريا تحت تصرّف موسكو في معركتها الأوكرانيّة. تضيف المصادر نفسها أن الرسالة قد لا تعني الكثير في مضمونها الحرفي أو العسكري، ذلك أنه منذ اللحظات الأولى لاندلاع المواجهات في كييف بدا واضحاً أن الأزمة ستظلّ محصورة. ثم إن الإمكانات الروسيّة كافية طبعاً لحسم أي أمر عمليات تصدره موسكو حيال المناطق المحاذية لها. حتى مسألة القواعد البحريّة الروسية لم تكن في أي لحظة في حالة حصار أو حاجة إلى منافذ أخرى، على المتوسّط مثلاً، لتسارع دمشق إلى فتحها لها. لكن على الرغم من كل ذلك، تتابع المصادر السوريّة، كانت رسالة الأسد بالغة الأهميّة. وذلك لأسباب عدّة. أولها إعلانه التزام سوريا المحور الروسي، أياً كانت نوعيّة المواجهة أو نطاقها أو مخاطرها. وبالتالي وقوف دمشق مع موسكو على أي مستوى كان، لا في إطار الأحداث السوريّة الداخليّة وحسب ولا على مستوى الصراع الشرق أوسطي فقط، بل أيضاً حتى ولو كانت الأزمة من النوع الذي قد يؤدّي إلى نزاع عالمي قد يهدّد مصائر دول برمّتها. ثم إن سبباً آخر يفسّر أهميّة رسالة الأسد إلى بوتين. وهو تلك الإشارة الواضحة مستقبلياً، بأن سوريا مستعدّة لتوسيع مجال تعاونها العسكري مع روسيا. وقد تكون بالتالي جاهزة لاستضافة مقدّرات عسكريّة روسيّة أكثر أو أكبر، بحرياً أو برياً. وهذا هو المقصود فعلياً في الإشارة إلى أن كلّ الجغرافيا السوريّة موضوعة تحت تصرّف روسيا عند حاجتها إليها... رسالة لم يكن لها طبعاً أي ترجمة ميدانيّة في أثناء الأزمة الأوكرانيّة الراهنة. غير أن دلالاتها باتت مسجّلة، وجاهزة للترجمة في أي فرصة أو لحظة أو حاجة للطرفَين.
أما على الجهة الأميركيّة المقابلة، فتؤكد المصادر السوريّة نفسها أن توجيهات عليا قد أعطيت للحكومة السوريّة من أجل الانكباب فوراً على إعداد قوانين وإصدار التشريعات والتنظيمات اللازمة، من أجل تشجيع الاستثمارات المختلفة في المناطق الواقعة عند الحدود الجنوبيّة الغربيّة لسوريا. أي المناطق المحاذية لأراضي الجولان المحتلّ من قبل الجيش الاسرائيلي، حيث تقوم منذ العام 1967 منطقة عازلة تشرف عليها قوات تابعة لمنظمة الأمم المتحدة. وألمحت المصادر نفسها إلى أن هذا الاتجاه السوري الرسمي إلى منح عناية خاصة بتلك المناطق الحساسة، جاء في شكل متزامن مع مساعي وزير الخارجيّة الأميركيّة جون كيري لإحداث خرق في عمليّة السلام في المنطقة. لا بل بدت الحركة السوريّة في اتجاه تحضير المناطق الجنوبيّة من سويا لمقتضيات الاستثمار والتنمية، وكأنها في سباق مع حركة كيري في اتجاه إسرائيل وأراضي السلطة الفلسطينيّة، لإنضاج عمليّة التسوية هناك. وفي السياق نفسه أوضحت المصادر السوريّة نفسها أن موافقة أولى قد صدرت من قبل الحكومة السوريّة، على طلب خاص مقدّم لإنشاء معمل متخصّص في الصناعات الزراعيّة في منطقة القنيطرة المحاذية للجولان المحتل. علماً أن اتخاذ طلب كهذا مسار التنفيذ، يقتضي انتظار موافقة قوات الأمم المتحدة الموجودة في المنطقة العازلة أو قوات "أندوف". وهو ما يعني تلقائياً، إطلاع سلطات الاحتلال الإسرائيلي على الموضوع. هكذا، يمكن لمسألة إداريّة بسيطة في الشكل، من نوع موافقة حكوميّة سوريّة على إنشاء مصنع، أن تشكّل فعلياً بداية لاتصالات غير مباشرة بين دمشق وتل أبيب، تحت مظلّة الأمم المتحدة.
ومن غير المستبعد في هذا السياق، أن يكون هذا الاتجاه السوري الحكومي والاستثماري والتنموي الطابع، مجرّد غطاء لرسالة سوريّة رئاسيّة سياسيّة المضمون وموجّهة بخاصة إلى واشنطن، بأن دمشق يمكن أن تكون هي أيضاً مستعدّة لمفاوضات تسوية سلميّة. خصوصاً وأن هذه الإشارة تزامنت مع خطوة معبّرة كذلك، تمثلت في الحديث عن حملة إداريّة قضائيّة جديدة تستهدف مكافحة الفساد في سوريا ومعاقبة المنتفعين من أزمات الأحداث. والكلام الدائر في دمشق هذه الأيام عن تلك الحملة، يرجّح أن تطال رؤوساً كبيرة في النظام. وهو ما أوحى به إجراء انطلق قبل أسابيع، مع تسريب لوائح بأسماء نافذين أفادوا من قروض مصرفيّة سوريّة في إطار عمليات مضاربة غير مشروعة على العملة السوريّة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.