من خصائص انتخابات رئاسة الجمهوريّة في لبنان أنها تمرّ على سطح الحياة السياسيّة مرور الكرام من دون أن يكون لها أدنى دور في تسليط الضوء على التحديات الأساسيّة التي تواجه البلاد. ويكون الغائب الأكبر فيها البرامج الانتخابيّة والنقاشات المفترض أن تواكبها، مع ما تحمله هذه الأخيرة من تحديدٍ للأوليات واجتراح للحلول. فلا حملات انتخابيّة ولا حتى مرشّحين رسميّين. تدخل البلاد المهل الدستوريّة لانتخاب رئيس كما هو الحال منذ 25 آذار/مارس الماضي، وما من مرشّح يتقدّم إلى المنصب بشكل رسمي وفق الأصول والأعراف الديمقراطيّة. لا بل على العكس، كل ما اقترب موعد الاستحقاق يكون الحذر سيّد الموقف لدى المرشّحين المحتملين وكأنهم في انتظار الوحي الآتي من الخارج. يتجنّبون أي ظهور إعلامي. وإن أطلّوا عبر وسائل الإعلام، دوّروا الزوايا وتنبّهوا من أي زلة لسان أو خطوة ناقصة قد تطيح بصورتهم التوافقيّة. بتعبير آخر، كلما اقترب الاستحقاق كلما أصاب الحركة السياسيّة نوع من الشلل وخفّ النقاش في الواضيع الخلافيّة. هكذا تفوّت البلاد هذه اللحظة المحوريّة من الحياة الديمقراطيّة.
فمنذ بداية الحرب الأهليّة في منتصف سبعينيات القرن الماضي وعلى الرغم من توقيع اتفاق الطائف، لم يتمكّن البلد الصغير من استرجاع مقوّمات سيادته كافة وعلى رأسها حصريّة السلاح بيد الشرعيّة اللبنانيّة، إنما بقي ساحة صراع للقوى الإقليميّة وذلك على حساب الدولة ومؤسساتها. فقد شكّل هذا الأمر العائق الأساس دون انتظام الحياة الدستوريّة، بما في ذلك عمليّة انتخاب رئيس للجمهوريّة. لكن الحق يقال إن طبيعة النظام البرلماني المعتمد في بلد متتعدّد الطوائف والولاءات، لم يساعد على الاستفادة من هذا الموعد الدستوري من أجل تحصين العقد الاجتماعي وتثبيت الوحدة الوطنيّة من خلال العودة إلى الشعب مصدر السلطات لتحديد خياراته الجامعة. فالنظام الدستوري اللبناني موروث من الجمهوريّة الثالثة، أي النظام الدستوري لفرنسا القوّة المنتدِبة في حينه والذي توقّف العمل به منذ العام 1940 والذي بموجبه كانت تتمّ عملية انتخاب الرئيس من قبل الجمعيّة العامة المؤلفة من النواب والشيوخ. وتجدر الإشارة إلى أن هذا النظام الفرنسي عُدّل مرّتَين، ويجري اليوم انتخاب الرئيس الفرنسي من قبل الشعب مباشرة بعد ما تمّ الإقرار بأن انتخاب الرئيس من قبل الشعب هو إصلاح أساسي في سبيل ترسيخ الديمقراطيّة. والمفارقة أن اتفاق الطائف الموقّع في العام 1989 والذي أتى بتعديلات دستوريّة أساسيّة كان معظمها متمحوراً حول إعادة توزيع السلطة بين المؤسسات والمكوّنات الطائفيّة، أبقى على النظام الانتخابي للرئيس كما هو لا بل كرّسه. وذلك لتكريس الطبيعة البرلمانيّة للجمهوريّة ربما، لأن أي عودة إلى الإرادة الشعبيّة كان يمكن اعتبارها جنوحاً نحو نظام رئاسي وتعزيز للموقع المسيحي وذلك على حساب المواقع الأخرى.
خلاصة الموضوع أن عمليّة انتخاب الرئيس هي أشبه بعمليّة توافقيّة يقوم بها رؤساء الكتل النيابيّة أي بتعبير آخر رؤساء الطوائف، والأهمّ من ذلك كله أن كلمة الحسم هي للأطراف الإقليميّة الراعية لهم. هكذا تتحوّل عمليّة انتخاب -أو التوافق على- رئيس، استحقاقاً إقليمياً يخضع لبازار-أو توافق- إقليمي بالدرجة الأولى. وهكذا أيضاً تشرّع الأبواب أمام كل من القوى الإقليميّة الفاعلة كي تلعب دوراً على الساحة اللبنانيّة وفي عمليّة صنع الرئيس، يختلف حجم دورها باختلاف موازين القوى القائمة. فانتخاب الرئيس ميشال سليمان في العام 2008 مثلاً جاء نتيجة تسوية سوريّة-سعوديّة بمباركة أميركيّة، كان لكلّ من قطر ومصر وفرنسا دور الوسيط في إنتاجها. أما اليوم وبعد ما بلغ الخلاف أوجه نتيجة تمدّد الأزمة السوريّة إلى الداخل اللبناني وقد أصبح الملفان السوري واللبناني مترابطَين، لا شكّ في أن عمليّة انتخاب الرئيس خاضعة لتطوّر الصراع في سوريا. وهي إن حصلت، تكون بالدرجة الأولى نتيجة تسوية إيرانيّة-سعوديّة وذلك عبر وساطة قد يكون لدول مؤتمر نيويورك الذي انعقد في أيلول/سبتمبر 2013 الدور الأساس فيها. فالطرف الإيراني حلّ محلّ الطرف السوري الذي كان له ولعقود -ومنذ اندلاع الحرب الأهليّة- الدور الأول في صنع الرؤساء. أما الطرف المسهّل أو المواكب، فتلك الدول التي حضرت مؤتمر نيويورك لدعم لبنان وأبرزها الولايات المتحدة الأميركيّة وفرنسا وبريطانيا وحتى روسيا. كذلك كان ملفتاً في الفترة الأخيرة دخول مصر على خط الاستحقاق الرئاسي كما عبّر عنه وزير الخارجيّة نبيل فهمي في خلال زيارته لبنان في الأسبوع الأخير من شهر آذار/مارس الجاري. وكأن مصر تسعى وعبر النافذة اللبنانيّة والاستحقاق الرئاسي وموقعها الإقليمي، إلى الانضمام إلى نادي صناع الرئيس اللبناني الذي أضحى اختياره استحقاقاً إقليمياً كلاسيكياً.
والسؤال اليوم، هل الحراك الدبلوماسي الذي سهّل تشكيل الحكومة اللبنانيّة في الفترة الأخيرة يستمرّ بزخمه وينتج رئيساً للجمهوريّة؟ الجواب يتوقّف على الأثمان المطلوبة من هذا الطرف أو ذاك. لا شكّ في أن تشكيل الحكومة في لبنان بعد انتظار عشرة أشهر أتى في لحظة إقليميّة أرادت من خلالها إيران الانفتاح على الغرب والتعامل بإيجابيّة، مظهرة حسن النوايا لإثبات مصداقيتها كشريك وقّع على اتفاق إطار حول النووي ويسعى إلى شراكة أوسع في ملفات أخرى على المستوى الإقليمي. الثمن المطلوب منها على الساحة السوريّة أي التسليم بجنيف-1، كان باهظاً. أما في الداخل اللبناني، فقد بدا الثمن مقبولاً وتمثّل بعودة فريق 14 آذار بشكل وازن إلى السلطة. قبلت إيران العرض. وما ساعد على القبول بالتسوية المعروضة، هو تفشّي الإرهاب التكفيري وبلوغه العمق الشيعي اللبناني. فكانت الحاجة إلى إعادة قوى الاعتدال السنّي إلى الواجهة وتكليف الجيش بمهام مكافحة الإرهاب. واليوم، تراجعت وتيرة الأعمال الإرهابيّة والفريق المتحالف مع إيران حقّق بعض المكاسب على أرض المعركة في سوريا وعلى الحدود المتاخمة للبنان. وكأن التسوية حقّقت له هدفَين. من جهة قوّضت الإرهاب في الداخل اللبناني وخفّفت من ضغط الإرهاب المتنقّل في عمقه الإستراتيجي، ومن جهة أخرى حافظت على حريّة حركته العسكريّة في الداخل السوري. وهو أولويّة إستراتيجيّة له كما أشار مسؤولو حزب الله في مناسبات مختلفة. أما انتخاب -أو التوافق على- رئيس للجمهوريّة إذا ما حصل في موعده أي قبل 25 أيار/مايو 2014، فسوف يكون خاضعاً لسقف هذه التسوية. وبناء عليه، يكون المطلوب رئيساً يعيد الاعتبار إلى سنّة الاعتدال، أي لا يشكّل تحدياً لفريق 14 آذار إنما يلتزم بمكافحة الإرهاب ويغضّ الطرف عن بقاء حزب الله في سوريا. قد يكون من الممكن تأمين رئيس بهذه المواصفات... أما تأمين المتطلبات الأساسيّة لقيام جمهوريّة، فمسألة أخرى.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.