قلق جديد أضيف إلى هموم اللبنانيين هذه الأيام. عنوانه كيفية تعاطي هذا البلد المتعدد الأديان والطوائف، مع شهر الصيام لدى المسلمين، أو شهر رمضان. هم إنساني وحياتي، كان قد بدأ قبل حلول رمضان على مستوى السجالات والنقاشات. لكنه تطور بعد أيام قليلة على بدء شهر صيام المسلمين، ليصبح هماً أمنياً مباشراً، مع تحوله إلى عبوات ناسفة وتهديدات مباشرة لغير المسلمين من اللبنانيين أو المقيمين في لبنان.
منذ عقود طويلة كان لبنان يتغنى بأنه رمز التعددية الدينية والثقافية الوحيد في الشرق الأوسط. وكان جميع مسؤوليه يتباهون بأنه البلد الوحيد في العالم ، حيث يتعايش الإسلام مع المسيحية من دون عقد حياتية ومن دون إشكالات قانونية حول نهج الحياة الخاصة أو العامة. لا مشكلة مثلاً حول ارتداء الحجاب أو أي مظهر ديني آخر في المدارس العامة أو المؤسسات الخاصة. لا مشكلة حول الأعياد الدينية وتعطيلها. لا مشكلة حتى في مسألة الأحوال الشخصية التي تركت للمسؤولين الدينيين وتخلت عنها الدولة كلياً. هنا كان يعيش المسلم كما يريد، في حياته الخاصة والعامة، وكذلك المسيحي أيضاً. من دون أي عقبات قانونية، لا في النصوص ولا في الواقع. لكن يبدو أن هذه المقولة باتت تعاني بعض الخطأ في صحتها اليوم.
ذلك أنه قبل أسابيع من حلول رمضان في 28 حزيران الماضي، أثيرت مسألة غير مسبوقة، لجهة كيفية تعاطي السلطات البلدية المحلية مع السلوك الفردي للمواطنين في شهر رمضان. بدأت القصة في بلدة عبرا شرق صيدا. وهي منطقة ذات حساسية خاصة. ذلك أن سكان البلدة الأصليين هم من المسيحيين. لكن عبر عقود الحرب الأهلية والتهجير القسري الذي لحق بالمسيحيين، وعمليات بيع أراضيهم إلى المسلمين، تحولت تلك البلدة المحاذية لمدينة صيدا عاصمة الجنوب اللبناني، إلى تركيبة ديمغرافية مفارقة. على الورق أكثرية مسيحية بنسبة 90 بالمئة من الناخبين المسجلين على لوائحها. أما على الأرض فأكثرية سنية مسلمة بنسبة أكثر من 80 بالمئة من المقيمين في عبرا. أضيفت إلى هذه الحساسية إشكالية أخرى، تمثلت في أن تلك البلدة نفسها تحولت قبل أعوام مركزاً لأحد أبرز الشيوخ السلفيين في لبنان، وهو المدعو أحمد الأسير. الذي حاول تشكيل مجموعة مسلحة اعتدت على الجيش اللبناني وانتهت بمواجهة حاسمة مع الجيش في حزيران 2013، واعتقال مسلحي الشيخ السلفي وهروبه وتواريه عن الأنظار.
في ظل هذه الظروف بالذات، جاءت المفاجأة قبل أسابيع من بداية رمضان، بأن أرسل مفتي صيدا السني كتاباً إلى رئيس بلدية عبرا المسيحي، يتمنى عليه فيه أن "يراعي سكان البلدة"، والمقصود القلة المسيحية المتبقية فيها، شعور المسلمين الصائمين في رمضان. فما كان من رئيس البلدية إلا أن حول الرسالة المذكورة إلى قرار صادر عن البلدية، يمنع بموجبه الأكل والموسيقى والتدخين في الأماكن العامة خلال رمضان. لم يلبث أن نشر القرار حتى واجه عاصفة من الانتقادات المسيحية، السياسية والدينية، التي اعتبرته سلوكاً ذمياً غير مقبول. وتحت وطأة الرفض العنيف للخطوة غير المسبوقة تراجع رئيس البلدية عن قراره، من دون أن تنتهي ذيوله.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.