"على طرابلس، عاصمة شمال لبنان وثاني مدن البلاد حجماً، أن تحبس أنفاسها للأيّام المقبلة، حيث أنّ حدثاً أمنيّاً - سياسيّاً بارزاً قد ينتظرها". هكذا تصف أوساط أمنيّة رسميّة، وقائع ما حصل في المدينة في 20 تموز/يوليو الجاري، وما قد تكون له من نتائج.
ففي ذلك النهار، أعلن الجيش اللبنانيّ رسميّاً، أنّه "أوقف المدعو حسام عبدالله الصبّاغ، المطلوب بمذكّرات توقيف عدّة لقيامه بأعمال إرهابيّة". وفوراً، جاءت ردود الفعل من خلال إطلاق نار في المدينة واشتبكات متفرّقة مع مراكز الجيش ونقاط تفتيشه القائمة في بعض أحيائها، إضافة إلى سلسلة تظاهرات محدودة واعتصامات صغيرة لم تلبث أن انتهت في غضون ساعات. لكنّ "المسألة قد لا تنتهي عند هذا الحدّ"، كما تشرح الأوساط الأمنيّة لموقعنا، حيث أنّ الصبّاغ هو أحد قادة المجموعات الأصوليّة السنيّة المسلّحة، التي قاتلت في طرابلس في مواجهة مسلّحي الحيّ العلويّ فيها، لمدّة أكثر من أربعة أعوام. وهو أحد الدعاة الأصوليّين الناشطين في المدينة، منذ عودته من أوستراليا التي كان قد هاجر إليها من طرابلس، واكتسب جنسيّتها، قبل أن يعود ليمارس نشاطه السلفيّ في مدينته. كما أنّ الصبّاغ، كما تؤكّد أوساط مطّلعة، كان كلّ تلك الفترة يتمتّع بنوع من الحصانة الفعليّة، التي حالت دون توقيفه. حتّى أنّه وفق معلومات الأوساط الأمنيّة نفسها، "كان أحد المشتبه في تورّطهم في محاولة اغتيال وزير الشباب والرياضة في حينه، فيصل كرامي، في طرابلس نفسها، في 18 كانون الثاني/يناير 2013". لكنّ الوضع الحكوميّ الهشّ في بيروت يومها، إضافة إلى اضّطراب الأمن في طرابلس، وتردّد المسؤولين في اتّخاذ أيّ خطوة قد تؤدّي إلى اشتعال الوضع العسكريّ هناك، أمّن للصبّاغ حماية واقعيّة، كادت تتحوّل حصانة فعليّة تسمح له بالقيام بأيّ شيء.
غير أنّ الأمر تبدّل منذ أسابيع قليلة. فالحكومة اللبنانيّة الجديدة تمكّنت بفضل تفاهماتها السياسيّة، من فرض خطّة أمنيّة في المدينة. فتمّ سحب المسلّحين من شوارعها إلى حدّ كبير. لكنّ التطوّر الأساسيّ في هذا المجال، جاء بعد سلسلة التفجيرات الانتحاريّة التي ضربت بيروت خلال الأسابيع الماضية. "فـتحت ضغط تلك الأخطار، ونتيجة تلقّي الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة معلومات حول شبكات الإرهابيّين من أجهزة دوليّة متعدّدة، كما تؤكّد الأوساط نفسها لموقعنا، تمكّن الجيش اللبنانيّ نهاية حزيران/يونيو الماضي، من إلقاء القبض على أحد محرّكي هؤلاء الإرهابيّين، وإسمه خالد محمود". وسرعان ما تبيّن خلال التحقيق معه أنّ الموقوف هو كنز معلوماتيّ مهمّ جدّاً، لجهّة ارتباطاته بشبكات عدّة من الناشطين الإرهابيّين. كما أنّه أحد مسؤولي تنظيم "القاعدة" في لبنان، وإسمه الحركيّ ضمنها "أبو عبيدة". وكشفت الأوساط الأمنيّة نفسها، أنّه "منذ ذلك الحين أي قبل نحو ثلاثة أسابيع، بدا واضحاً للجهّات القضائيّة اللبنانيّة التي تتولّى التحقيق مع محمود، أنّ مضمون ما كشفه بات يحكم الطوق حول عدد من السلفيّين البارزين، وبينهم حسام صبّاغ تحديداً، إضافة إلى رموز سلفيّة أكثر حساسيّة ودقّة". وسرعان ما تأكّدت الجهّات القضائيّة من ذلك، بعدما سارع بعض الجهّات السلفيّة في مدينة طرابلس إلى تنظيم تظاهرات واعتصامات وإلقاء خطب تصعيديّة تحذّر من الاستمرار في توقيف محمود ورفاقه. حتّى أنّ أحد المشايخ السلفيّين البارزين، طالب بإطلاق سراح هؤلاء قبل بداية شهر رمضان، في 28 حزيران/يونيو الماضي، تحت طائلة اتّخاذ خطوات تصعيديّة في طرابلس والعودة إلى وضع ما قبل الخطّة الأمنيّة في المدينة. وتكشف الأوساط الأمنيّة لموقعنا، أنّ "الأجهزة الرسميّة اللبنانيّة، كانت قد رصدت يومها أنّ هذا التصعيد من قبل الشيخ السلفيّ تمّ بعد لقاء بينه وبين صبّاغ، وبعد استنفار أمنيّ للمجموعة المسلّحة التابعة للأخير. وهو ما عزّز الشكوك حول تورّط الإثنين في الملفاّت التي أوقف فيها حمود". بعد أيّام، بدأت تثمر اعترافات "أبو عبيدة"، فاكتشفت مخازن أسلحة ومتفجّرات وأحزمة ناسفة للانتحاريّين، كانت مخبّأة في قريته فنيدق في عكّار.
وأصبحت خارطة القيادة والإمرة بين شبكة الانتحاريّين، من مخطّطين ومنفّذين، شبه مكشوفة. عندها، بات توقيف الصبّاغ حتميّاً. غير أنّ الأمر لم يحصل فوراً، بل أعطي الوقت الكافي من أجل تنفيذه في ظروف أمنيّة مثاليّة، حيث يكون الرجل بعيداً عن مجموعته المسلّحة، وتكون القوى الأمنيّة الرسميّة جاهزة للتعامل مع ردود الفعل المحتملة حيال توقيفه. وهو ما حصل في 20 تموز/يوليو الجاري. "لكنّ الأمور بلغت الآن، وفق معلومات الأوساط نفسها، حدّ ذهاب الشكوك بالتورّط، إلى الشيخ السلفيّ نفسه". وهو ما يثير حساسيّة، خصوصاً في لبنان، نتيجة الاعتبارات التي تحيط برجال الدين، خصوصاً السلفيّين منهم، ونظراً لما قد تثيره خطوة كهذه من ردود فعل تصعيديّة. غير أنّه في المقابل، وفي ظلّ جسامة الملفّ المفتوح، وتناوله جرائم تفجيرات انتحاريّة وإرهابيّة، قد يكون كلّ شيء ممكناً. ولذلك، قد يكون على طرابلس أن تحبس أنفاسها في الأيّام المقبلة، لأنّ خبطة أمنيّة كبيرة قد تنتظرها.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.