يمتلك المجتمع الشيعيّ تماسكاً دينيّاً أكبر من نظيره السنيّ. وقد أثار ذلك تساؤلات كثيرة لدى المرجعيّات السنيّة، منها ما صرّح بها رجل الدين السنيّ العراقيّ البارز الشيخ أحمد الكبيسي في شهر يونيو من هذا العام تعقيباً على فتوى السيستاني في وجوب الدفاع عن العراق ضدّ هجمات متشدّدي السنّة: "إنّ الشيعة لديهم مرجعيّة عظيمة، تقول وتأمر فتطاع؛ ولكن السنّة ليس لهم قيادة ومرجعيّة، ولن يكون لهم ذلك."
لا تمتلك المؤسّسة الدينيّة الشيعيّة نظاماً كهنوتيّاً على غرار ما هي عليه المؤسّسة الكاثوليكيّة في الفاتيكان، ولكنّها في الوقت نفسه تربطها علاقات متينة مع قاعدتها الشعبيّة؛ بحيث يمكنها أن تحرّك الملايين من أتباعها بإصدار فتوى واحدة. وقد لعبت المرجعيّة دورها التاريخيّ البارز في المجتمعات الشيعيّة من خلال هذه السلطة الاجتماعيّة والروحيّة العليا التي تمتلكها القيادات الدينيّة على أتباعها.
ويجد الباحث أمثلة عدّة للدور الاجتماعيّ البارز لرجال الدين الشيعة في التاريخ المعاصر في المنطقة. وأدّت فتوى السيّد حسن الشيرازي (1814-1896) إلى فسخ أحد أكبر العقود التجاريّة بين مملكة إيران وبريطانيا العظمي في عام 1891. ولعبت المرجعيّات الشيعيّة دوراً حاسماً في الثورة الدستوريّة في إيران بين عامي 1905 و1907. ونهض العراق بأكمله ضدّ البريطانيّين خلال احتلالهم للعراق بعد الحرب العالميّة الأولى، ممّا عرف بثورة العشرين. وهناك أمثلة كثيرة أخرى يمكن مشاهدتها في المسيرة القياديّة للسيّد السيستاني في العراق لما بعد 2003.
ورغم كلّ التحوّلات الاجتماعيّة لعصر الحداثة، ما زالت المرجعيّات الشيعيّة تمتلك سلطتها الاجتماعيّة الواسعة على أتباعها في مختلف المجتمعات الشيعيّة في العالم؛ ممّا يعطي قوّة وتماسكاً كبيراً للشيعة مقارنة بالمذاهب الإسلاميّة الأخرى. فمن أين تأتي هذه السلطة؟ وكيف تقوم بأعمالها؟ وكيف يتمّ التّواصل بين المرجعيّات الدينيّة وأتباعها في المجتمع الشيعيّ؟
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.