هل يتمّ إعلان الدولة اللبنانيّة، بسلطتيها التنفيذيّة، أي الحكومة، والتشريعيّة، أي البرلمان، غير مؤهّلة لإدارة الأموال العامّة، وغير صالحة لجباية أيّ قرش من عائدات الدولة، ولا لإنفاق أيّ فلس من واجباتها؟ وهل يفيق اللبنانيّون ذات صباح، ليكتشفوا أنّ لديهم وصيّاً قضائيّاً على ماليّة دولتهم؟ السؤال ليس من باب النظريّة البحتة. إنّه موضوع شكوى قضائيّة هي الأولى من نوعها في لبنان، وربّما في العالم.
بدأت القصّة في 10 أيلول/سبتمبر الماضي، يوم تقدّم ستّة مواطنين لبنانيّين، بدعوى أمام مجلس شورى الدولة اللبنانيّة، أي أمام القضاء الإداريّ، صاحب الصلاحية في بتّ أيّ إشكال قانونيّ عالق بين أيّ مواطن وأيّ جهّة حكوميّة. المتقاضون الستّة ليسوا مجهولين، بل هم أصحاب مسؤوليّات رسميّة سابقة أو حاليّة: حسين الحسيني رئيس سابق للبرلمان، الياس سابا وشربل نحاس وزيران سابقان، غسان مخيبر نائب حاليّ، نجاح واكيم نائب سابق، وغادة اليافي أستاذة في الجامعة اللبنانبة وابنة رئيس الحكومة السابق في لبنان عبدالله اليافي. استند المستدعون في دعواهم إلى موادّ الدستور والقوانين اللبنانيّة التي تنصّ على أمرين اثنين أساسيّين:
-أوّلاً، أنّه لا يمكن للدولة اللبنانيّة ممثّلة بحكومتها الشرعيّة، القيام بأيّ خطوة ماليّة أو أيّ إجراء ذات طابع ماليّ، إلّا بموجب الموازنة السنويّة التي تعدّها هذه الحكومة وتحيلها إلى المجلس النيابيّ، ليصدّقها الأخير وتصبح نافذة. وبالتالي، فإنّ قانون الموازنة السنويّة للدولة اللبنانيّة، بعد صدوره من البرلمان، هو القانون الوحيد الذي يتيح لكلّ قطاعات الدولة وأجهزتها المختلفة ووزاراتها وإداراتها العامّة، التصرّف بأيّ أموال عامّة. ومن دون قانون الموازنة هذا، لا يحقّ لأيّ جهّة رسميّة أن تجبي أيّ ضريبة من أيّ مكلّف على الأراضي اللبنانيّة، ومن دونه أيضاً لا يحقّ لأيّ جهّة رسميّة إنفاق ليرة لبنانيّة واحدة في أيّ مجال كان، علماً أنّ خرق هذه القاعدة، وبالتالي جباية أيّ أموال عامّة أو صرفها في غياب قانون نافذ للموازنة أو من خارجه، يعتبر مخالفة قانونيّة واضحة تستوجب الملاحقة القضائيّة.
-ثانياً، تنصّ موادّ الدستور والقوانين المذكورة بوضوح أيضاً، على أنّه لا يمكن للبرلمان اللبنانيّ أن يقرّ أيّ موازنة سنويّة تقدّمها إليه الحكومة، ما لم تكن قبل ذلك قد أحيلت إليه من قبل الحكومة، جردة حسابيّة كاملة في كيفيّة تطبيق موازنة السنة السابقة، أي بيانات ماليّة كاملة تظهر أبواب الجباية والإنفاق كاملة، على أن تكون هذه البيانات مصدّقة من ديوان المحاسبة، الذي يشكّل سلطة القضاء الماليّ في لبنان. حينها، يقرّ البرلمان تلك البيانات الماليّة، ويصدر القانون الذي يسمّى "قطع حساب" عن السنة المالية السابقة، بما يسمح له بإقرار موازنة السنة التالية. ولذلك، إذا كان "قطع حساب" أيّ سنة سابقة لم يقرّ قانوناً من قبل البرلمان، أو إذا كان "قطع الحساب" هذا غير مصدّق من قبل ديوان المحاسبة، عندها لا يمكن للبرلمان إقرار الموازنة العامّة للدولة، ولا يمكن للدولة القيام بعملها الماليّ في شكل طبيعيّ.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.