في 20 تشرين الثاني/نوفمبر، شهدت محطّة الحافلات المركزيّة الجديدة في تل أبيب لحظة من الأكثر اللحظات غرابة في تاريخها. فقد كان عشرات الأشخاص يجولون في أروقة المبنى الضخم المعروف بصعوبة التنقّل فيه ويحملون خرائط محاولين أن يفهموا أيّ اتّجاه عليهم أن يسلكوا. لكنّهم لم يكونوا يحاولون الوصول إلى إحدى الحافلات لصعودها، بل كانوا يحاولون إيجاد الطريق الأفضل ليسلكوه بين نباتات متدلية في الهواء، ومساحات تجاريّة حُوّلت إلى منشآت فنيّة عملاقة، وراقصين يتحدّون الجاذبيّة على قضبان اسمنتيّة مائلة. كلّ ذلك كان جزءاً من معرض اسمه "المحطّة التالية" يجمع بين الفنّ والزراعة والمنظومات البيئيّة الصغرى في كلّ أرجاء محطّة الحافلات الجديدة.
وكان التنافر واضحاً وجلياً. فمن جهة، هناك هذه الفعاليات العصريّة والمرحة التي شكّلت جزءاً من مشروع طموح أطلقته مجموعة "أونيا" التي تضمّ فنّانين ومصمّمين ومهندسين وناشطين وتصف نفسها بأنّها "حضانة بيئة مدينيّة". ومن جهة أخرى، هناك الحياة اليوميّة البائسة في محطّة الحافلات المركزيّة المعروفة باستقطابها العمّال المهاجرين والأشخاص الأقلّ حظوة والجرائم. والنتيجة كانت مذهلة.
عندما يسمع مواطن عاديّ من تل أبيب – وغيره من الأشخاص أيضاً - اسم محطّة الحافلات المركزيّة الجديدة، ترتسم على وجهه فوراً علامات الامتعاض. فلا أحد يذهب إلى هناك، وهناك أجزاء كبيرة من المبنى لا تُستعمل على الإطلاق. فهذا المعلم الهندسيّ الواعد الذي فتح أبوابه سنة 1993 وقع ضحيّة إهمال البلديّة. بُني المجمّع الضخم المؤلّف من سبعة طوابق في حيّ نيفي شعنان جنوب تل أبيب، وكان يُفترض أن يكون مركزاً تجاريّاً نابضاً بالحياة ومركزاً وطنيّاً للنقل. لكن سرعان ما اتّضح أنّ تخطيط محطّة الحافلات الجديدة تشوبه عيوب، وحتّى اليوم، هناك أجزاء كثيرة منها لا تُستعمل على الإطلاق. فتقسيمها إلى طوابق لا يلائم سير الحافلات، والمبنى بحدّ ذاته يشكّل ضرراً اجتماعياً واقتصادياً وبيئياً في حيّ يعاني أصلاً من اضطرابات. ولا يزال عشرات آلاف الأشخاص يعبرون محطّة الحافلات كلّ يوم، لكنّ المبنى مهجور في غالبيّته، والمؤسّسات التي لا تزال تعمل هناك تُعتبر رخيصة، وبعضها مشكوك في أمره. وتركيبة الموظّفين ضعيفة أيضاً، إذ إنّها مؤلّفة بشكل خاصّ من عمّال مهاجرين وسكّان من الحيّ.
ويقول نائب رئيس البلديّة عساف زمير: "تمّ تشييد المبنى في قلب حيّ سكنيّ. وهو مصدر إزعاج يلحق الضرر بالمنطقة المحيطة به والأشخاص الساكنين في جواره". سنة 2013، وافقت مدينة تل أبيب على خطّة رئيسيّة تقضي بإعادة تصنيف المبنى كي لا يُستعمل كمحطّة حافلات بعد الآن، ويتحوّل إلى مجمّع تجاريّ وسكنيّ يضمّ أيضاً فنادق. لكنّ محطّة الحافلات المركزيّة لا تزال على حالها: يائسة ومهملة وعنيفة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.