كشف مصدر دبلوماسيّ لبنانيّ لموقعنا، أنّ مسألتين لافتتين برزتا أثناء مؤتمر التحالف الدوليّ ضدّ "داعش" ومثيلاته، الذي عقد في مقرّ حلف الأطلسيّ في بروكسل في 3 كانون الأوّل/ديسمبر الجاري: أوّلاً التباين في وجهات النظر الأميركيّة–التركيّة حيال مجمل الوضع السوريّ، وثانياً حرص واشنطن على تركيز جهودها على محاربة "داعش"، بمعزل عن تعقيدات الأزمة السوريّة ومواقف البعض منها.
ظهرت المسألتان بوضوح في المقارنة بين مسوّدة البيان الختاميّ التي كانت معدّة قبل انعقاد المؤتمر، وبين النصّ النهائيّ الذي صدر بعد انتهائه. فكما يكشف المصدر الذي شارك في لقاءات بروكسل، وفضّل عدم كشف اسمه، فإنّ المسوّدة الأولى أعدّت بخلفيّة منحازة كليّاً حيال الأزمة السوريّة، حيث حاولت تقديم الحرب على "داعش" وكأنّها حرب في الوقت نفسه ضدّ الحكم القائم في سوريا. فجاءت في النصّ الأوّل، وضمن الفقرة رقم 11 من المسوّدة، صيغة تقول إنّ "المشاركين توقّفوا بقلق متنامٍ، عند معاناة الشعب السوريّ الذي يعيش تحت وحشيّة "داعش" وقصف نظام الأسد". وتابعت الفقرة نفسها قائلة إنّ "المشاركين أكّدوا التزامهم دعم الشعب السوريّ في جهوده لمواجهة "داعش" و(تحقيق) انتقال سياسيّ مستند إلى التطبيق الكامل لبيان جنيف، بما في ذلك زيادة الدعم إلى المعارضة المعتدلة". وختمت الفقرة نفسها أنّ المشاركين "يؤيّدون أعمال قوّات المعارضة السوريّة المعتدلة التي تقاتل "داعش" داخل سوريا".
ويتابع المصدر لموقعنا، أنّه فور توزيع تلك المسوّدة الأولى على الدول المدعوّة، أبدى عدد منها تحفّظات عدّة حيال مضمونها. كما أعرب بعض المدعوّين عن ربط مشاركته في أعمال المؤتمر بالاستعداد إلى تعديل بعض الصياغات والعبارات، خصوصاً تلك المتعلّقة بالموضوع السوريّ. ويكشف المصدر أنّ الإشارة الإيجابيّة الأولى جاءت من الأميركيّين الذين أبدوا تجاوبهم مع تلك التحفّظات، واستعدادهم للبحث فيها والتوصّل إلى صياغة نهائيّة بديلة. وهو ما أنجز فعلاً قبل افتتاح المؤتمر بوقت قليل، حيث أعيدت صياغة الفقرة 11 كالتالي: "توقّف المشاركون بقلق متنامٍ، عند معاناة الشعب السوريّ. وهم يحضّون أطراف النزاع السوريّ كافّة على احترام القانون الدوليّ الإنسانيّ وتسهيل الوصول الإنسانيّ للذين في حاجة إلى ذلك، التزاماً بقراري مجلس الأمن 2139 و2165". وبعدما أكّدت الفقرة تقارير الأمم المتّحدة حول ارتكاب "داعش" جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانيّة، ضدّ المدنيّين في سوريا، اكتفت بالتأكيد أنّ "المشاركين أكّدوا لاحقاً التزامهم دعم الشعب السوريّ في جهوده لمواجهة "داعش" و(تحقيق) انتقال سياسيّ مستند إلى التطبيق الكامل لبيان جنيف"، وحسب. لتضيف الفقرة عند هذا الحدّ، تعديلاً واضحاً يذكر أنّ "عدداً من المشاركين (بما يعني عدم وجود إجماع حول الموضوع)لاحظ الحاجة إلى قوّات فاعلة على الأرض لهزيمة كاملة لـ"داعش"، وأيّد في هذا السياق أعمال قوّات المعارضة السوريّة المعتدلة التي تقاتل "داعش" داخل سوريا. كما دعا هؤلاء المشاركون (دائماً على قاعدة عدم حصول إجماع حول الفكرة) إلى زيادة الدعم إلى قوّات المعارضة المعتدلة، التي تقاتل على جبهات عدّة ضدّ "داعش" والنصرة والنظام السوريّ".
ويتابع المصدر الدبلوماسيّ اللبنانيّ أنّه أثناء أعمال المؤتمر، حاول الجانب التركيّ إعادة النص إلى صيغته الأولى، غير أنّ الوفد اللبنانيّ تصدّى له بحزم. وكانت حاسمة مداخلة وزير الخارجيّة اللبنانيّة جبران باسيل، الذي توجّه إلى المؤتمرين بالقول: "كيف تطلبون منّا تأييد جماعات مسلّحة، بلغني الآن أنّها نفّذت اعتداء ضدّ الجيش اللبنانيّ داخل الأراضي اللبنانيّة، وأوقعت في صفوفه سبعة شهداء"؟ وذلك في إشارة إلى كمين نفّذه مسلّحون سوريّون معارضون ضدّ دوريّة من الجيش اللبنانيّ في منطقة بعلبك، وسط البقاع شرق لبنان، في وقت متزامن مع انعقاد مؤتمر بروكسل في 3 كانون الأول/ديسمبر. وكان لافتاً أنّ الوفد الأميركيّ لم يعلّق على المطالبة التركيّة، لا لجهّة العودة إلى الصيغة الأولى للبيان الختاميّ، ولا لجهّة المطالبة التركيّة المفاجئة بإقامة منطقة عازلة شمال سوريا وجعلها محظورة على الطيران السوريّ. وفي المقابل، كما يتابع المصدر الدبلوماسيّ المشارك روايته، بادر وزير الخارجيّة الأميركيّة جون كيري في كلمته، إلى توجيه الشكر إلى السعوديّة على مواقفها ودعمها. وهو ما فهم منه، بحسب المصدر نفسه، تنصّل أميركيّ من المطالب التركيّة. وهو ما أكمله كيري بالتوجّه صوب وزير الخارجيّة اللبنانيّة ومصافحته وشكره على كلمته وملاحظاته.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.