بيروت - شهدت منطقة البقاع اللبنانيّة، ليل 17 – 18 تمّوز/يوليو 2015 حادثة غريبة، لم تنجل معالمها بعد. في الشكل، بدا الأمر أقرب إلى عمليّة اختطاف، لكنّ التفاصيل تحمل طابع الإثارة البوليسيّة الكاملة. أمّا الأبعاد الدوليّة المرتبطة بالأشخاص المخطوفين، فيبدو أنّها تمتدّ من بيروت إلى واشنطن، مروراً ببراغ وكييف.
في الوقائع الميدانيّة، ليل الجمعة في 17 تمّوز/يوليو، وصل إلى مطار بيروت خمسة أشخاص تشيكيّين، هم كلّ من شرفاك جان، حمصي آدم، دوبلس ميرسكلاف، كوفون بارفيل وديبسيك مارلين بيسيك. وكانت في انتظارهم سيّارة لتقلّهم إلى المكان الذي يقصدونه في لبنان. لكن بعد ساعات، عثر على السيّارة التي أقلّتهم على قارعة الطريق في منطقة كفريّا في البقاع شرق لبنان، على مسافة نحو 60 كيلومتراً من بيروت. وعثر داخل السيّارة على جوازات سفر التشيكيّين وأوراقهم وأغراضهم الشخصيّة، من دون أيّ دليل على مكان وجود هؤلاء. بدأت الأجهزة الأمنيّة الرسميّة تحقيقاتها فور العثور على السيارة في منطقة كفريا ليل الجمعة 17 تموز، ليتبيّن سريعاً أنّ السيّارة التي عثر عليها، والتي أقلّت المخفيّين الخمسة من مطار بيروت، تعود إلى شخص لبنانيّ اسمه صائب منير طعّان. وتبيّن أيضاً أنّ هذا الشخص مختفٍ بدوره. حتّى أنّ والده تقدّم في اليوم التالي السبت 18 تموز ببلاغ لدى القوى الأمنيّة الرسميّة، مفيداً بأنّ الاتّصال بابنه انقطع منذ ليل 17 – 18 تمّوز/يوليو، وأنّه لا يعرف عنه ولا عن مكان وجوده شيئاً. أكثر من ذلك، لم تلبث التحقيقات الرسميّة أن أظهرت أنّ طعّان، صاحب السيّارة وسائقها، هو أخ غير شقيق لشخص لبنانيّ آخر من آل فيّاض، موقوف في تشيكيا منذ نيسان/أبريل 2014. هنا بدأت تتبلور قراءة مختلفة لاختفاء التشيكيّين الخمسة. فسرعان ما ظهرت في وسائل الإعلام اللبنانيّة مقالات تشير إلى أنّ حادثة الاختفاء هي على الأرجح عمليّة اختطاف مدبّرة ضدّ التشيكيّين الخمسة، من أجل مبادلتهم باللبنانيّ الموقوف في براغ.
أكّد مصدر دبلوماسيّ تشيكيّ في بيروت لموقعنا، صحّة المعلومات الأوّليّة التي تداولتها في هذا الشأن وسائل الإعلام اللبنانيّة، خصوصاً لجهّة أنّ هناك ثلاثة مواطنين من التابعيّة اللبنانيّة، موقوفون في تشيكيا منذ أكثر من سنة، في ملفّ معقّد يتضمّن اتّهامات بتهريب السلاح والأموال والمخدّرات، على المستوى الدوليّ، وأنّ أحد هؤلاء هو اللبنانيّ علي فيّاض (شيعيّ)، الذي تبيّن أنّ سائق السيّارة هو أخوه غير الشقيق، فيما الموقوفان الآخران هما واحد من عائلة المرعبي (سنّي) خالد مرعبي من منطقة عكّار في شمال لبنان، والآخر من عائلة جابر (شيعيّ) فوزي جابر من جنوب لبنان. وأضاف المصدر الدبلوماسيّ الذي طلب عدم كشف اسمه، أنّ الثلاثة أوقفوا في براغ نتيجة معلومات وصلت إلى السلطات الرسميّة التشيكيّة من مصادر رسميّة أميركيّة، وتفيد بأنّ الثلاثة يقومون بعمليّات تهريب مختلفة في أنحاء أوروبّا وصولاً إلى كولومبيا. وطلبت واشنطن من براغ، عبر الإنتربول، توقيف هؤلاء أثناء زيارتهم إلى العاصمة التشيكيّة، وإقامتهم في أحد فنادقها في نيسان/أبريل 2014. ومنذ ذلك الحين، يخوض الموقوفون الثلاثة معركة قانونيّة مع السلطات الأميركيّة بواسطة السلطات التشيكيّة، من أجل منع الأخيرة من تسليمهم إلى واشنطن لمحاكمتهم هناك.
ويضيف المصدر الدبلوماسيّ نفسه، أنّ المسألة تحوّلت في تشيكيا خلال الأشهر الماضية، إلى قضيّة رأي عام شغلت حيّزاً مهمّاً من اهتمامات وسائل الإعلام التشيكيّة. فالموقوفون الثلاثة على ما يبدو، إمكانات ماليّة كبيرة، ساعدتهم على تحريك وسائل الإعلام وتجنيد مساحات صحافيّة للحديث عن الموضوع، خصوصاً بعد الكلام الذي أثير في براغ عن أنّ حقيقة الملفّ ليست قضائيّة، بل سياسيّة، وأنّ مضمونه الفعليّ ليس تهريب السلاح والمال والمخدّرات، بل كون الموقوفين اللبنانيّين الثلاثة، وخصوصاً فيّاض، من المقرّبين جدّاً من الرئيس الأوكرانيّ السابق الموالي لموسكو فيكتور يانوكوفيتش، وأنّ ملاحقتهم من قبل السلطات الأميركيّة، هي عمليّة اضطهاد سياسيّ، بغطاء قضائيّ قانونيّ. ولاحظ المصدر الدبلوماسي التشيكيّ نفسه، أنّ هذه الرواية لاقت تأييداً لافتاً في براغ. وهو ما جعل ربّما بعض السلطات التشيكيّة يعمد إلى تسريع البتّ في الملفّ لجهّة اتّخاذ قرار بتسليم الموقوفين الثلاثة إلى السلطات الأميركيّة، وأدّى إلى تصعيد الحملة الإعلاميّة من قبل المدافعين عن اللبنانيّين الثلاثة. وفي هذا السياق، يتابع المصدر نفسه، كانت الجهّات الدبلوماسيّة التشيكيّة في بيروت، قد تبلّغت أنّ ذوي فيّاض وأصدقاءه قرّروا الدعوة إلى مؤتمر صحافيّ يوم السبت في 18 تمّوز/يوليو في أحد في فندق كورال بيتش في بيروت لإثارة القضيّة. ويبدو أنّ دعوة كانت قد وجّهت من قبل لجنة أصدقاء الموقوفين الثلاثة في بيروت إلى بعض الإعلاميّين والمعنيّين التشيكيّين للمجيء إلى بيروت وتغطية الحدث، وبينهم الخمسة الذين اختفوا. ولذلك، لا يستبعد المصدر أن تكون المسألة مدبّرة في سياق محاولة الضغط على السلطات التشيكيّة، إمّا من أجل منع تسليم الموقوفين الثلاثة لديها إلى واشنطن، وإمّا للذهاب أبعد من ذلك من أجل محاولة طرح المبادلة بين الموقوفين اللبنانيّين الثلاثة في تشيكيا والمخطوفين التشيكيّين الخمسة في لبنان.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.