طيلة 35 عاماً كانت العلاقة وثيقة بين استحقاقات انتخابات الكنيست الاسرائيلي ومسارات التفاوض السلمي في المنطقة من جهة، وبين حروب اسرائيل في لبنان من جهة أخرى. أو على الأقل هكذا كان يقرأها اللبنانيون، حتى المسؤولين منهم. للمرة الأولى، تجرى الانتخابات في تل أبيب وبيروت غير مهتمة، أو حتى غير معنية. كأن اسرائيل لم تعدعلى حدود لبنان، لماذا؟
في مثل هذه الأيام قبل 35 عاماً، بدأ الإعلام اللبناني كما الاسرائيلي يتحدث عن احتمال اجتياح الجيش الاسرائيلي لقسم من جنوب لبنان. بعد أسابيع، في آذار من العام 1978، انطلقت فعلاً أولى حروب اسرائيل الحقيقية في لبنان، عبر عملية الليطاني، والتي أدت بعد ايام إلى صدور القرارين 425 و426 عن مجلس الأمن، اللذين فرضا على اسرائيل الانسحاب من كامل الأراضي اللبنانية، وإقامة "قوات الأمم المتحدة الموقتة في جنوب لبنان". يومها كان المسلحون الفلسطينيون يسيطرون على الحدود اللبنانية المتاخمة لاسرائيل. لا بل كان ياسر عرفات يحكم بيروت، كما تباهى لاحقاً. وكانت الحرب الأهلية اللبنانية في ذروتها، وبالتالي كانت سيطرة الدولة اللبنانية على أرضها وحدودها شبه غائبة. ما جعل الجنوب بؤرة مولدة لكل الصراعات، وفراغاً جاذباً لكل الاحتلالات.
غير أن المسؤولين اللبنانيين لم يلبثوا أن وجدوا تفسيراً آخر لاجتياح العام 1978. بعد خمسة أعوام، كتب كريم بقرادوني، الذي كان في حينه مستشاراً بارزاً لدى رئيس الجمهورية الياس سركيس، أن عملية الليطاني في آذار من ذلك العام، كانت مدبرة بشكل مسبق مع واشنطن والقاهرة، من أجل تنظيف بعض المسرح الشرق أوسطي، تمهيداً لكامب دايفيد في أيلول من العام نفسه. ونقل بقرادوني عن مسؤول المخابرات في الجيش اللبناني يومها، جوني عبده، أن تقريراً مفصلاً رفع إلى المسؤولين اللبنانيين يتبنى تلك الرواية: كان انور السادات قد ذهب إلى أورشليم في كانون الأول السابق، وكانت المفاوضات الاسرائيلية المصرية قد انطلقت واعدة، وكان موعد كامب دايفيد قد تحدد على أجندة الدول المعنية. ووسط كل ذلك كان مناحيم بيغن قد بدأ يتكرس "ملك اسرائيل" الجديد. عندها، تقول القراءة المخابراتية والسياسية اللبنانية، طلب الاسرائيليون من الأميركيين السماح لهم بتنظيف حدودهم الشمالية قبل الانطلاق جدياً في المسار المصري. على قاعدة أنه بعد الاتفاق مع القاهرة سيكون مؤذياً للسادات أن يتورط بيغن في صراع عربي جديد. كما أن أي تنظيف يجب أن يكون بعيداً نسبياً في الزمن، عن محطة التفاوض المصري الاسرائيلي. هكذا، تقول الرواية اللبنانية، تم الاتفاق على اجتياح الليطاني في آذار 1978. ولهذا كان مجلس الأمن جاهزاً ومستعداً مسبقاً لاتخاذ قرارات غير مسبوقة في تاريخ الأزمة اللبنانية. وكانت قوات الأمم المتحدة حاضرة للوصول سريعاً إلى جنوب لبنان. حتى أن مسؤول المخابرات اللبناني يروي لبقرادوني، أنه قبل الاجتياح، تلقت قيادة الجيش في بيروت طلبات عدة غريبة من عدد من ضباط الجيوش الاسكندينافية، لزيارة الجنوب اللبناني واستطلاع بعض مناطقه. حتى كانت المفاجأة بعد الاجتياح الاسرائيلي، ان بعض تلك الجيوش بات مشاركاً بوحدات أساسية في قوات الأمم المتحدة التي ارسلت إلى جنوب لبنان. لا بل أن بعض الضباط الزائرين قبل الاجتياح، عادوا كمسؤولين عن وحدات بلادهم المشاركة ضمن القبعات الزرقاء بعد صدور قرارمجلس الأمن!!
الصورة النمطية نفسها، كرسها اللبنانيون، مسؤولين ومراقبين ومواطنين، عن تلك العلاقة الراسخة بين اي استحقاق اسرائيلي وبين حرب اسرائيلية ما في لبنان. في حزيران 1982، حان موعد "عملية سلامة الجليل"، أو كرة الثلج التي تدحرجت سريعاً كما وصفها شيمون شيفر، من الليطاني إلى بيروت وحتى شمال بيروت. قبل أن تدحرج رؤوس كل القيادة الاسرائيلية، بعد مجزرة المخيمات الفلسطينية حول العاصمة اللبنانية، التي أعقبت اغتيال الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميل، في 14 أيلول من ذلك العام. وكذلك قيل لاحقاً في بيروت، ان تلك الحرب الاسرائيلية في لبنان لم تكن لتقع لولا أن السادات كان قد اغتيل في 6 تشرين الأول الذي سبق، وان استحقاق الانسحاب الاسرائيلي من سيناء كان محدداً ربيع العام 1982 نفسه، وأن وزير الدفاع الاسرائيلي في حينه، أرييل شارون، كان يركب طموحاته السياسية، واعداً نفسه بالخروج من بيروت بطل حرب وسلام معاً، قبل ان تتحول الأرض اللبنانية مستنقعاً ورمالاً متحركة لم تلبث أن ابتلعته كما ابتلعت رئيسه بيغن.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.