تتيح الأزمة السورية المتمادية لكثير من اللبنانيين الذين لم يتفاعلوا يوما مع شعب البلد المجاور لبلدهم عن قرب اكتشاف آخرين يخالفون الانطباعات السائدة عن السوريين في لبنان. اكتشفوا أن جيرانهم ليسوا على نمط واحد في الثقافة والقدرات والإمكانات وطرق العيش، لا بل أن التنوع في ما بينهم كبير وثمة بينهم طبقة ثرية تشابه في سلوكها عموماً سلوك اللبنانيين المأخوذين بالمظاهر على وجه الإجمال .
يظهر ذلك على نحو خاص من خلال سيارات فارهة من ماركات معينة يقتنونها ويتجولون بها في شوارع بيروت والضواحي التي يسكنها الأغنياء، وأيضاً قاعات الفنادق الفخمة والمطاعم الغالية التي يحولونها أمكنة لقاءات لهم، بحيث تغلب على الأصوات في داخلها اللهجة الشامية أو الحلبية، علماً أن نسبة كبيرة من السيدات السوريات يتحدثن الأجنبية، الإنكليزية أو الفرنسية بما يوحي للسامعين أنهن يتحدرن من عائلات أريستوقراطية عريقة .
تدور مناقشات هؤلاء الأثرياء ، أو أقله المرتاحين مادياً الذين يعيشون في مستوى فوق مستوى الطبقة الوسطى- فلا يضيرهم دفع 5 دولارات لقاء فنجان قهوة - على الأوضاع الأمنية والإقتصادية والسياسية الصعبة في سوريا، وهم ينقسمون في الآراء بين من يرى إمكانية لحل سياسي وبين ما لا يرى حلولاً سلمية في نهاية المطاف، بين من يعتقد بأن نظام الرئيس بشار الأسد قد تجاوز مرحلة الخطر وبين من يجزم باستحالة أن يستمر في حكم سوريا بعدما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه. وهم بصفتهم من التجار في معظمهم يتابعون من كثب ردود فعل عواصم الغرب والعرب ومواقفها وتفاعلها مع الأزمة من مصادر مختلفة وعلاقات يقيمونها هناك وكذلك من خلال اتصالات مع مسؤولين في الدولة أو المعارضة على السواء. وقد اختاروا بيروت للإقامة فيها موقتاً نظراً إلى قربها من دمشق وسوريا عموما، فالطريق بين العاصمتين لا تستغرق أكثر من ساعتين. وثمة كثيرون منهم يمضون أياماً في العاصمة اللبنانية لأخذ استراحة والإبتعاد قليلاً عن الجو المشحون والمضغوط الذي يعيشون في كنفه، على وقع انفجارات قريبة أو بعيدة من وقت إلى آخر. وهناك نسبة عالية بينهم من الشبان الصغار السن الذين تجذبهم في بيروت حياة الليل والسهر ولهم فيها أصدقاء وصديقات يرفهون عنهم ويتولون دور المرشدين إلى الأمكنة المناقضة في أجوائها لما يعيشه السوريون سواء في بلدهم أو لبنان الذي تجاوز عدد النازحين السوريين إليه الـ 400 ألف ، غالبيتهم العظمى خرجت من منازلها وقراها بثيابها لا أكثر.
وتشكل بيروت محطة لنسبة كبيرة من الأغنياء السوريون يسافرون منها إلى الخارج لمتابعة أعمالهم ويعودون إليها باعتبار أن مطار دمشق الدولي لم يعد آمنا تماما بالنسبة إليهم.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.