كان معبّراً جداً منظر النواب اللبنانيّين يوم الجمعة الماضي في 31 أيار/مايو المنصرم، وهم يحاولون التسلّل إلى مقرّ البرلمان في وسط بيروت، إما عبر طرق فرعيّة مغايرة للمدخل الرئيسي، وإما متخفّين عبر استخدام سيارات "غير رسميّة"، لا تحمل لوحاتهم الزرقاء الشهيرة والمخصّصة لسيارات النواب في لبنان. أما السبب فهو أنهم كانوا على موعد مع جلسة برلمانيّة تشريعيّة، مخصّصة لإقرار بند وحيد، هو التمديد لأنفسهم 17 شهراً مضافة إلى ولايتهم القانونيّة المحدّدة بأربعة أعوام، والتي تنتهي في 20 حزيران/يونيو الجاري. وهو ما أثار غضب عدد من الناشطين دفاعاً عن الديمقراطيّة. فتجمّع هؤلاء على مدخل البرلمان، وراحوا يقذفون كل وافد من النواب الممدّدين لأنفسهم، بوابل من البندورة والبيض والماء...
ليست المسألة مجرّد مبدأ ديمقراطي يستحقّ الدفاع عنه وحسب. ولا هي قصّة عدم توافق على قانون انتخابي جديد، ليصير إجراء الانتخابات النيابيّة اللبنانيّة على أساسه. بل تبدو المسألة في دلالاتها ومؤشّراتها أبعد من ذلك. يكفي استعراض هذه الملاحظات على هامش تطيير الانتخاب والاستعاضة عنه بالتمديد:
أولاً، اضطر النواب اللبنانيون، في شرحهم لما يسمّى "الأسباب الموجبة" التي "اقتضت" تمديدهم لأنفسهم، أن يقولوا أن "قوّة قاهرة" باتت تحول دون حصول الانتخابات. هي ليست غير "الظروف الأمنيّة" المتدهورة في أكثر من منطقة في لبنان. وقد عمدوا إلى التذرّع بهذا السبب لضمان إمرار التمديد، بحيث لا يسقطه المجلس الدستوري اللبناني، الذي يمثّل سلطة قضائيّة دستوريّة عليا، تناط بها وحدها صلاحيّة مراقبة دستوريّة القوانين الصادرة عن البرلمان. ذلك أن أي سبب قانوني أو إداري مُعطى كذريعة للتمديد، كان سيواجَه برفض المجلس الدستوري وإبطاله. أما تقدير الظروف الأمنية وتقويم الخطر المادي المحدّق بالمواطنين، فهو نظرياً مسألة عائدة استنسابياً إلى السلطة التنفيذيّة، ولا يمكن للقضاء الدستوري الحكم عليها.
لكن هذه الذريعة كانت فاضحة في أداء النواب، إذ لم يلبثوا أن خرجوا من قاعة البرلمان ضاحكين مقهقهين، فيما هم قد أبلغوا لتوّهم رسالة إلى شعبهم هم يقولون له فيها أن هناك خطراً محدقاً بكل البلد! غير أن الأكثر خطورة في هذه المسألة، هو انعكاسها النفسي العام، وبالتالي انعكاسها على ديناميّة المجتمع اللبناني وحركته الوطنية عموماً والاقتصاديّة خصوصاً. فمجرّد ذكر التمديد للبرلمان اللبناني، يعيد إلى ذاكرة اللبنانيّين أيام الحرب الأهليّة. ذلك أنها كانت الحقبة الوحيدة في تاريخ بلاد الأرز، حيث عجزت سلطاته عن إجراء انتخابات تشريعيّة، ولجأ برلمانه إلى التمديد لنفسه. وقد استمرّ ذلك الوضع الشاذ منذ العام 1976 حتى العام 1992، حين أجريت الانتخابات الأولى بعد نهاية الحرب، وبعدما أحكم الجيش السوري قبضته على لبنان. وبالتالي، ما لم يتوقّف عنده النواب الممدّدون لأنفسهم، هو أنهم جعلوا اللبنانيّين في أجواء حرب فعليّة. فبعد الاشتباكات المذهبيّة في بعض المناطق شمالاً، لم يكن ينقص إلا تطيير الانتخابات ليعيش اللبنانيّون مجدّداً زمن حرب في العقل والذهن والنفس، قبل أن تصير على الأرض وبين خطوط التماس.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.