في خطابه الأخير في 19 تموز/يوليو الجاري، قال الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله "نحن دائماً لدينا استعداد للحوار ضمن أي إطار أو صيغة طاولة الحوار الحالية أو أي صياغة أخرى لمناقشة استراتيجية وطنية للدفاع (...) وجاهزون لنذهب إلى أي حوار بلا قيد وبلا شرط والآن أيضاً، قبل تشكيل حكومة تريدون أن تقيموا حواراً نحن جاهزون، بعد تشكيل الحكومة تريدون أن تقيموا حواراً نحن جاهزون". من وجهة نظر المراقبين اللبنانيّين، فإن هذا القدر الكبير من الانفتاح غير مسبوق في لهجة نصر الله. ويبقى السؤال حول خلفيّاته.
لم يتطرّق الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله في خطابه بمناسبة حفل إفطار هيئة دعم المقاومة، إلى قضيّة تفجير بئر العبد ولا إلى الكمين بالمتفجرات التي نصب لسيارات تابعة له مؤخراً على طريق بيروت-دمشق.
وكان لافتاً تجاهل نصر الله هذه الاحداث، إذ كان من المتوقّع أن ينتهز ظهوره الأوّل بعد تلك الأحداث بمناسبة حفل إفطار هيئة دعم المقاومة، ليعرب عن رأيه بالهجمة الأمنيّة التي تعرّض لها الحزب في الأيام الماضية. ويمكن القول أن تجاهله اللفت لهذه القضيّة شكّل مفاجأة خطابه الأساسيّة.
ولكن من ناحية ثانية، يدلّل هذا الأمر مرّة أخرى، على طبيعة العقل السياسي البارد الذي يرسم مواقف الحزب وتكتيكاته في ما خصّ الأحداث التي تواجهه. وعلى عكس ما يشاع في بعض الدوائر الغربيّة والاقليميّة، فإن حزب الله يرسم سياسته بعناية وبهدؤ وعلى نحو برغماتي. وأغلب الظن -بحسب مطّلعين- أن السيّد نصر الله لا يريد في هذه اللحظة المطلوب فيها أميركياً تصعيد الهجوم السياسي ضدّه حول العالم وفي داخل لبنان، أن يستجيب بمواقفه لفكرة تسعير الحرب السياسيّة ضدّه. لذلك اختار أن يكون خطابه معتدلاً وتوافقياً وداعياً لمبادرة الحوار الوطني داخلياً. والهدف من ذلك عدم إعطاء الفرص المجانيّة لواشنطن وحلفائها حتى تبني على خطابه منصّات جديدة لتكثيف هجومها السياسي على حزب الله. وفي خطابه عينه، أراد نصر الله إظهار حمائميّة سياسيّة تظهر أن الحملة السياسيّة عليه من الغرب ومن قبل شركائه في الوطن والعرب الخليجيّين، ظالمة وليس لها ما يبرّرها أقله على المستوى الداخلي اللبناني. كذلك، فإن إعلان نصر الله انفتاحه على الحوار حتى على موضوع مستقبل سلاح المقاومة ضمن طاولة بعبدا، لنقاش استراتيجيّة الدفاع الوطنيّة، له بعد آخر. فالحزب وبعد تجهّم ملامح العلاقة بينه وبين حليفة المسيحي الأساس ميشال عون، من الممكن أن يكون قد صار معنياً بممارسة سياسة أكثر براغماتيّة تجاه باقي مكوّنات الاجتماع السياسي اللبناني. بمعنى آخر، تنويع تحالفاته لتعويض إمكانيّة سقوط علاقته مع عون بالكامل، أو تحوّلها إلى علاقة غير كاملة أو غير كافية.من المعروف أن حزب الله في هذه اللحظة يقف أمام مفترق طرق يكسوه ضباب سياسي كثيف. من جهة، لا يعرف ما إذا كانت الضغوطات الأميركيّة-الإسرائيليّة ستنجح في جعل أوروبا تدرجه فعلاً على لائحتها للإرهاب. أما من جهة ثانية فلا تبدو الصورة واضحة أمام ناظريه بخصوص مدى استمرار مشاركته في معركة سوريا، وسط توقّعات تقول بأن الأزمة السوريّة ستستمرّ لسنوات. ومن جهة ثالثة، يكتنف الغموض مستقبل معادلته السياسيّة في داخل لبنان، وسط عدم وجود حكومة ومحاولة إقصائه عن المشاركة في الحكومة العتيدة، أضف إلى ذلك اتهامه بأنه هو من يعطّل مشروع الدولة في لبنان..
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.