يدور منذ أسابيع كلام كثير في بيروت عن انقلاب حاصل في المواقف والتحالفات السياسيّة، انطلاقاً من تموضع جديد للزعيم المسيحي الأبرز الجنرال ميشال عون. وتتصاعد همسات وتوقّعات بأن يذهب عون تدريجياً في اتجاه الابتعاد عن حلفائه الشيعة، والاقتراب أكثر من الزعيم السني الأوّل، رئيس الحكومة السابق سعد الحريري. فما هي الأسباب الفعليّة لهذه الأجواء، وما هو مقدار الصحّة في توقّع تبديل جذري في المشهد السياسي اللبناني؟
بدأ الكلام عن تغيير في الموقف السياسي للجنرال عون، تحديداً بعد فشل لبنان في إجراء انتخابات نيابيّة. وذلك، على أثر فشل البرلمان اللبناني في إقرار قانون جديد لتلك الانتخابات. هكذا وصل النواب اللبنانيّون في نهاية أيار/مايو الماضي، إلى ختام المهلة الدستوريّة المتاحة أمامهم لاتخاذ قرار برلماني ما. فإما أن يقرّوا قانوناً جديداً، وإما أن يقبلوا بإجراء انتخابات وفق القانون السابق الذي ما زال نافذاً، وإما أن يمدّدوا ولايتهم التي تنتهي أصلاً في 20 حزيران/يونيو 2013. عند هذا الحدّ، كان موقف عون واضحاً: الأولويّة لقانون جديد، وإلا فالذهاب إلى انتخابات في ظلّ أحكام القانون الساري. لكن المحظور بالنسبة إلى عون كان تأجيل الانتخابات أو تمديد ولاية البرلمان. غير أن حلفاءه من الشيعة، وخصوصاً من حزب الله وحركة "أمل" التي يرأسها رئيس البرلمان اللبناني نبيه برّي، كانت لهم حسابات أخرى. فهم لم يكونوا واثقين من الفوز في أي انتخابات تُجرى الآن، فضلاً عن اعتقادهم بأن حصول انتخابات في الظروف المتوتّرة مذهبياً بينهم وبين السنّة والمضطربة أمنياً في أكثر من منطقة لبنانيّة، قد يؤدّي إلى مزيد من الصراع المذهبي أو حتى وقوع "الفتنة" المذهبيّة الكبرى التي يعتبرها الشيعة مقتلاً لهم كما لكلّ لبنان. يُضاف إلى تلك الأسباب، انشغال حزب الله في حينه بالقتال في سوريا، بحيث كان لا يزال في خضم معركة مدينة القصير السوريّة قبل أن تسقط في أيدي مسلحيه في 5 حزيران/يونيو الماضي. لكلّ هذه الأسباب، قرّر الشيعة عدم الأخذ باعتبارات حليفهم المسيحي، لا بل تقاطعوا مع خصومهم المشتركين من سنّة الحريري ودروز وليد جنبلاط ليقرّوا في 31 أيار/مايو تمديد ولاية المجلس النيابي 20 شهراً، وذلك في جلسة برلمانيّة قاطعها عون ونوابه لوحدهم.
بعدها، تقدّم عون بطعن أمام المجلس الدستوري وهو بمثابة المحكمة الدستوريّة الناظرة في دستوريّة القوانين، طالباً إبطال قانون التمديد. فكانت المفاجأة أن المجلس الدستوري لم يتمكّن من عقد جلسة للنظر في طعن عون. وذلك، بعدما عجز عن تأمين النصاب القانوني لاجتماعه، نتيجة تمنّع ثلاثة من أعضائه عن الحضور. وهم –للمصادفة!– شيعيّان ودرزي واحد. فسقط طعن عون وبات التمديد للبرلمان مبرماً.
عند هذا الحدّ، بدأت أصوات قريبة من عون تعلن عن استيائها من مواقف حلفائه الشيعة وتطرح تساؤلات عن جدوى هذا التحالف بين الطرفَين، إذا لم يكن قادراً على تحقيق أهداف مشتركة ومبدئيّة ووطنيّة، مثل الحفاظ على الأصول الديمقراطيّة والدستوريّة وإجراء الانتخابات النيابيّة وصون عمل المؤسّسات الدستوريّة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.