الجزء الأول: هل الشيخ تميم سيعيد التوازن للسياسة الخارجية لدولة قطر
كان قرار استبدال الشيخ حمد بن جاسم كرئيس تنفيذي لصندوق قطر السيادي، ملفتاً لأكثر من سبب. فهو الرجل الذي قام على مدى سنوات بهندسة سياسة قطر الاستثماريّة، طبعاً بتفويض من أميرها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. وإن جاء تعيين البديل سريعاً وحاسماً من حيث التوقيت والمدلولات، إلا أنه أتى متأنياً من حيث المضمون. فالشخص المختار أحمد السيّد، كان قد شغل منصب المدير التنفيذي لـ"قطر هولدينغ"، وهي الذراع الاستثماري للصندوق. ومن هنا، فإن الرجل معروف من قبل المصارف والمؤسّسات الماليّة وكافة شركاء الإنتاج الذين عرفوه كمقرّب من الشيخ حمد، وهو كان من ضمن فريق عمله. وما تعيينه سوى إشارة إضافيّة إلى استمرارية المؤسّسات السياسية كما الماليّة، ورسالة طمأنة إلى كافة شركاء الإنتاج مفادها أن عمليّة انتقال السلطات إلى جيل شاب تسير على قدم وساق، بهدوء وإنما بحزم، وتحمل في طيّاتها بذور تغيير وتحديث.
ومن سمات المرحلة السابقة المزج إن جاز التعبير بين السياسات، لا سيّما بين السياسة الخارجيّة لدولة قطر وسياستها الاستثمارية بحيث كانت تشكّل الأولى رافعة للثانية والثانية سنداً للأولى. والأمر ليس غريباً. فالشيخ حمد كان ممسكاً بالمقودَين في آن واحد، ينتقل من الأروقة الدبلوماسيّة إلى مجالس إدارة الشركات بحذاقة ميزّته ويصنع سياسة قطر على مسارَين إن اختلفا تكاملا. ولكن هذا الأسلوب لم يكن خالياً من التحديات والمطبات، فشخصيّة الشيخ حمد بديناميّتها العالية لم تكن تروق للجميع في الخارج ولا تعدّد مهامه وتراكم نفوذه كانا محطّ إجماع في الداخل. وطبعت شخصيّته أسلوبه في عالم الأعمال والسياسة على حدّ سواء. فجاز تسميتها بسياسة التوتّر العالي إن على المستوى الدبلوماسي أو الاستثماري.
ولعلّ أبرز تجسيد لهذا التشابك بين السياسة والمال هو العلاقات القطريّة-الفرنسيّة. وقد دخلت قطر إلى فرنسا من باب الانتخابات الرئاسيّة التي أتت بنيكولا ساركوزي رئيساً. فقد أراد الأخير منذ اليوم الأول التأكيد على القطيعة مع سياسة خلفه جاك شيراك الذي جعل من العلاقة بين فرنسا والمملكة العربيّة السعودية ركناً أساسياً في سياسته العربيّة. وتلاقت مصلحة الطرفَين على طيّ صفحة الماضي وأبطاله، وظهرت شراكة من نوع خاص تُرجمت بإنجازات صاخبة تارة مثل قضيّة الإفراج عن الممرّضات البلغاريات التي خطفت كل الأضواء، وطوراً بمنعطفات استراتجيّة إذ تبدّلت بالتالي السياسة الفرنسيّة تجاه لبنان وأصبحت باريس لفترة امتدت إلى حين اندلاع الثورات العربيّة أكثر انفتاحاً على سوريا وحزب الله. وكان لكلود غيان مستشار ساركوزي الأوّل، اليد الطولى في صنعها وذلك بالتعاون مع الشيخ حمد وفريقه. وتدفّقت الاستثمارات القطريّة على فرنسا في شتّى القطاعات، من القطاع العقاري حتى قطاع الرياضة. وتشمل تلك الاستشمارات الملكيّة الكاملة لفريق كرة القدم "باريس سان جرمان" ولفندق "رويال مونسو" ومجمع "إيليزيه 26". وكل واحد منها يحمل قيمة تراثيّة ومعنويّة كبيرة بالإضافة إلى قيمته الماليّة. وتبلغ القيمة الإجماليّة للاستثمارات القطريّة في الشركات المدرجة على قائمة الأسواق الماليّة الفرنسيّة، 7.6 مليار يورو. ويحمل بعض هذه التوظيفات أبعاداً استراتجيّة تتلاقى مع صناعات قطر واقتصادها. وتجدر الإشارة إلى أن الصندوق رفع مؤخراً حصّته في شركة "توتال" النفطية من %3 إلى 5%.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.