تؤدّي الحوزات الشيعيّة، وبالتحديد مراكزها الأصليّة في النجف وقم، دوراً مزدوجاً في إشكاليّة الصراع الطائفي في الشرق الأوسط. من جهة، تحاول المؤسّسة الدينيّة أن تحافظ على هويّة الجماعة المختلفة عن الأغلبيّة السنيّة، في حين تمتنع من جهة أخرى بشكل جاد عن تصنيفها خارج الكيان الإسلامي الموحّد. وعليه، يمكن تصنيف دور المجموعات الحوزويّة الناشطة في الصراع الطائفي، على أساس نسبة التزامها وتأكيدها على الهويّة الشخصيّة للجماعة الشيعيّة أو الهويّة العامة المشتركة مع السنّة.
ويلعب العامل الجغرافي واللغوي دوراً مميّزاً في اختلاف تعامل حوزة قم وحوزة النجف مع الصراع الطائفي. ففي حين تقع قم في قلب مجتمع شيعي منفصل مذهبياً ولغوياً عن العالم الإسلامي، تمارس النجف أعمالها الدينيّة والتبليغيّة بجوار مجتمعات سنيّة وتحت أعين العالم العربي. إلى ذلك، فإن ارتباط حوزة قم بالنظام السياسي الإيراني مقارنة بابتعاد النجف عن الارتباط بالسياسة، جعل لكلّ منهما دوراً مختلفاً في هذا الصراع. فقد امتنعت النجف عن الدخول في أي نوع من الدعم أو التأييد للأحزاب أو المجموعات الشيعيّة الناشطة في مجال السياسة، معتبرة نفسها مؤسّسة دينية بحتة غير معنيّة بالصراعات السياسيّة الجارية بين مراكز السلطة. وهذا بخلاف ما تعوّدت عليه حوزة قم، بخاصة في عقود ما بعد الثورة الإسلاميّة.
دفعت العوامل المذكورة تاريخياً، بحوزة النجف كي تقلّص من مجالات التنازع مع السنّة وأن تحافظ على أكثر مدى ممكن من التشاكل معهم. فابتعادها عن السياسة أبعد عنها آثار النزاعات القائمة والتي ترتبط بغالبيّتها وبشكل كبير بمصالح سياسيّة لدول متصارعة في المنطقة. أما شعور النجف بضرورة حماية نفسها في البيئة السنيّة المجاورة، فقد جعلها تبتعد عن خطاب الكراهيّة أو السلوكيات الدينيّة المعادية للآخر. وعليه، فإنه من النادر أن يسجّل كلام عدائي تجاه الرموز المقدّسة لأهل السنة، في تأليفات علماء النجف أو خطاباتهم أو بياناتهم. بل نجد محاولة للحدّ من نشر أي مضمون مثير للفتنة. وقد أفاد صاحب دار الأندلس للمطبوعات في حديث إلى "المونيتور"، بأنه تلقّى تحذيراً من السيّد علي السيستاني حين قصد نشر كتاب "فصل الخطاب" الشهير القائل بحدوث تحريفات في القرآن الكريم. ويذكر أن الشيعة تُتّهم عادة من قبل السنّة بأنها تعتقد بتحريف القرآن وأن لديها قرآنا مختلفاً عن القرآن المتداول بين أهل السنّة، على الرغم من تأكيد أغلبيّة علماء الشيعة بالتزامها بالقرآن الموجود وعدم اعتقادها بأي نوع من التحريف فيه.
إلى ذلك، فإن خطاب الكراهيّة وسلوكياتها كانت شبه منتشرة في قم حتى زمن ليس ببعيد، وكان من الممكن متابعتها في الآراء الفقهيّة الموجّهة ضدّ الآخر السنّي أو الشعائر والطقوس التي تتضمّن إهانات ضدّ بعض الرموز المقدّسة لأهل السنّة. وتاريخياً، لم تظهر حركة الوحدة والتقريب بين المذاهب الإسلاميّة في قم إلا بعد انتصار الثورة الدينيّة، وبدعم ورؤية سياسيّة من قبل النظام الحاكم. لكن محاولات التقارب مع السنّة في النجف تأتي مسبوقة بخلفيّة تاريخيّة طويلة الأمد، نابعة من داخل المؤسّسة نفسها. وعليه، واجهت محاولات التقريب مع أهل السنّة في قم ردود فعل امتناعيّة واسعة، ولغاية الآن. فقد اعتبر عدد من علماء قم تلك المحاولات بأنها ناقضة للهويّة الشيعيّة، محاولين الردّ عليها. ومن أشهر تلك الردود ما كتبه آية الله الجويباري تحت عنوان "حقيقة الوحدة في الدين" والذي انتشر بعشرين ألف نسخة، قبل أن يتمّ منعه من قبل الحكومة الإيرانية. ويتضمّن الكتاب تعابير موهنة ضدّ مقدسات أهل السنّة، معتبراً الوحدة معهم أمراً غير مقبول بل غير ممكن. وقد اعتقل الجويباري وحوكم وسجن إثر ذلك.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.