في اليمن موضوع واحد يشغل المجتمع بأسره وكذلك النخب السياسيّة والاقتصاديّة والصحافة والمجتمع الدولي والحكومة والدبلوماسيّين الدوليّين.. إنه مؤتمر الحوار الوطني الذي انطلق في 18 آذار/مارس 2013. فهو استأثر بانتباه الجميع واستحوذ على جهود النخب وأحاديث مجالس القات الشعبيّة في المناسبات الاجتماعيّة والأعراس والأفراح والأتراح، إلى درجة أن أي حديث خارج سياق الحوار أو عن أي شيء غيره راح يبدو كتغريد خارج السرب وكموضوع فائض عن الحاجة أو ترف لغوي غير ذي معنى. حتى أن أولئك الذين رفضوا دخول الحوار بشكله الحالي وهم شريحة عريضة ومجموعات سياسيّة قويّة، هم أيضاً منشغلون بتفنيده والحديث عن عبثيّته وعدم جدواه، بل واعتباره مؤامرة على الثورة الشبابيّة من قبل البعض وتحايلاً على القضيّة الجنوبيّة من قبل البعض الآخر.
وعلى الرغم من أن ذلك يبدو للوهلة الأولى أمراً جيداً، إذ يوحي مبدئياً بانشغال الأطراف المعنيّة بالحوار وتخلّيها عن البنادق ويدلّ أيضاً إلى أي درجة قد يكون مؤتمر الحوار تشاركياً ويحظى باهتمام محلي كبير، إلا أن الحقيقة قد تكون غير ذلك.
فالتركيز المبالغ فيه سواء مع مؤتمر الحوار الوطني أو ضدّه، أصاب كل شيء سواه بالشلل. كذلك أصاب جهوداً تصبّ في مجالات أخرى ربما تكون أكثر أهميّة لليمن بالنسبة إلى المواطن اليمني العادي، بالفتور والإهمال والتجاهل. إلى ذلك أعفى الحكومة من الإجابة عن أسئلة صعبة كانت ستضطر لمواجهتها والعمل عليها، ولكنها بدلاً من ذلك رمت بأشياء محوريّة من مهامها واختصاصها على طاولة مؤتمر الحوار الوطني،بخاصة مع انشغال قيادات حكوميّة كبيرة بعضويّتها في مؤتمر الحوار بصفتها ممثلة لأطراف سياسيّة وليس كممثلة للحكومة، وكذلك هي الحال بالنسبة إلى البرلمان.
ويشارك أيضاً أكثر من ثلاثين برلمانياً من الأطياف السياسيّة المختلفةفي مؤتمر الحوار هذا الذي يتطلّب بموجب لائحته الداخليّة تفرغاً كاملاً من قبل أعضائه، بخاصة مع جدوله الممتلئ بمهمّة صعبة إن لم تكن شبه مستحيلة قياساً بالزمن المحدّد لإنجازها والذي تمّ تحديده بستة أشهر (انقضى أكثر من نصفها حتى الآن). ولا يبدو أن أيّ منهم استطاع التوفيق ما بين حضوره في البرلمان ومشاركته في مؤتمر الحوار. فدفع مجلس النواب بالتأكيد، ضريبة غياب أكثر من ثلاثين نائباً يشكّلون 10% من قِوام أعضائه، لصالح مؤتمر الحوار الوطني. وعدم القدرة على التوفيق بين مجلس النواب ومؤتمر الحوار، بدت صارخة جداً في بداية المؤتمر حينما كان رئيس مجلس النواب وجميع أعضاء هيئة رئاسة المجلس أعضاءً في مؤتمر الحوار الوطني، ما حال حتى دون انعقاد إحدى جلسات المجلس في وقتها المحدّد قبل أن يقدّم رئيسه استقالته من مؤتمر الحوار ويعود لممارسة مهامه في البرلمان. وفي مفارقة غريبة، اعتبرت كتلة أحزاب اللقاء المشترك في البرلمان بعد مقاطعتها لجلساته نتيجة خلافها مع كتلة حزب المؤتمر الشعبي العام ومنها رئيس المجلس، أن القرارات التي يتّخذها البرلمان في ظلّ مقاطعتها للجلسات هي غير شرعيّة وأنها "اغتصاب" للبرلمان بحسب وصفها. وقد تطوّر الأمر إلى أزمة سياسيّة كبيرة لم تنفرج إلا بتدخّل قوي ومباشر من قبل رئيس الجمهوريّة بعد أكثر من شهر على تفاعلاتها.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.