تعيش العاصمة اللبنانيّة هذه الأيام ذعر الانفجارات العشوائيّة وفوبيا السيارات القاتلة للأبرياء. فبعد ثلاثة انفجارات في غضون نحو خمسين يوماً، وبعد نحو سبعين قتيلاً وأكثر من 600 جريح من المدنيّين، بات البلد برمّته أسير الخوف والشائعات وردود الفعل من كلّ نوع وصنف، وخصوصاً أسير السؤال: أين سيقع الانفجار التالي؟؟
السلسلة الأخيرة من انفجارات السيارات المفخّخة وسط الأحياء المدنيّة الآمنة، بدأت صباح 9 تموز/يوليو 2013 في الضاحية الجنوبيّة لبيروت ذات الثقل السكاني الشيعي. عبوة في سيّارة ركنت في موقف تابع لأحد المحال التجاريّة. والحصيلة أكثر من خمسين جريحاً، من دون إصابات قاتلة. بعد خمسة أسابيع، كانت المحطّة الثانية يوم 15 آب/أغسطس الجاري في الضاحية نفسها. انفجار سيّارة مفخّخة ايضاً، بعبوة أكبر من السابقة. الحصيلة 25 قتيلاً من المدنيّين ونحو مئة جريح. بعد نحو أسبوع كانت الحلقة الثالثة من التفجيرات نفسها، مع فارقَين اثنَين هذه المرّة: أولاً انتقال الاستهداف من منطقة شيعيّة إلى أخرى سنيّة بضرب طرابلس ثاني المدن اللبنانيّة بعد العاصمة بيروت، وثانياً استخدام عبوتَين أكبر زنة وأشدّ قوّة وفتكاً أدّتا إلى سقوط 45 قتيلاً ونحو 500 جريح.
تداعيات هذا المسلسل على الوضع اللبناني برمّته، تبدو ثقيلة.
أمنياً، سادت حالة إرباك وذعر وردود فعل مختلفة. أبرزها وأكثرها خطورة على مستوى العلاقة بين مختلف الجماعات والمناطق اللبنانيّة، ظهور نمط من التصرّف الأمني داخل بعض الأحياء والمدن. وهو ما كان يعرف أثناء الحرب الأهليّة اللبنانيّة بمفهوم "الأمن الذاتي"، أي لجوء سكان منطقة معيّنة عادة ما تكون ذات أغلبيّة مذهبيّة محدّدة، إلى تنفيذ إجراءات أمنيّة في الشوارع وخصوصاً عند مداخل المنطقة، بواسطة مدنيّين متطوّعين عشوائياً أو مسلّحين منتظمين في داخل تركيبة حزبيّة ما تعبّر عن هويّة تلك المنطقة المذهبيّة. أما حجّة هذه الممارسات فجاهزة: وجود خطر حياتي على السكان، في ظلّ عجز السلطات الرسميّة عن ضبط الوضع والحؤول دون وصول تلك السيارات المفخّخة إلى داخل الأحياء.
ظاهرة الأمن الذاتي هذه لم تلبث أن تمدّدت في أكثر من منطقة لبنانيّة بعد الانفجارات الثلاثة. بداية في الضاحية الجنوبيّة لبيروت، التي باتت مداخلها خاضعة للمراقبة الدقيقة عبر حواجز ثابتة أقامها "شبّان المنطقة"، وهو تعبير عادة ما يخفي هويّة حزب الله. بعدها، بات يمكن لأي متنقّل في سيارته بين المناطق اللبنانيّة أن يرى المشهد الأمني الذاتي نفسه، خصوصاً بعد انتهاء ساعات النهار وحلول ساعات الليل. وذلك، من الشوف منطقة الثقل الدرزي في وسط جبل لبنان، إلى الشمال أو البقاع. حتى بعض المناطق المسيحيّة التي كانت تنظّم مهرجاناتها الصيفيّة هذه الأيام، عرفت إجراءات تطوعيّة من النوع نفسه: شبّان متحمّسون لا يتبعون أي تنظيم حزبي، يسألون أي سيارة مريبة عن هويّة سائقها ووجهته.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.