على الرغم من أن العراقيّين حديثو العهد في استخدام شبكة الإنترنت إذ لم يتعرّفوا على الخدمات المتنّوعة التي تقدّمها لهم قبل العام 2003، إلا أن سرعان ما تحوّلت هذه الشبكة العنكبوتيّة إلى جزء مهمّ من حياتهم بخاصة الجيل الجديد منهم. وفي ظلّ الظروف الأمنيّة غير المستقرّة وغياب مجتمع مدني حقيقي في البلد، هيأت مواقع التواصل الاجتماعي وبخاصة "فيسبوك" فضاءً واسعاً للعراقيّين حيث يمكنهم تقديم رؤاهم بخصوص وضع البلد وتنظيم احتجاجاتهم ضدّ الانتكاسات المستمرة التي تلحق بحياتهم العامة.
لقد اكتشفت شعوب الشرق الأوسط استخداماً جديداً لمواقع التواصل الاجتماعي لم يكن في حسبان مبتدعي تلك المواقع في الأساس. فقد حوّلوها إلى وسيلة إعلاميّة للاحتجاج بدلاً من أن تكون مجرّد شبكة للعلاقات العامة ونسج الصداقات بين الأفراد. وعليه، حين تدخل الصفحات الشرق أوسطيّة على موقع "فيسبوك" مثلاً، تراها ملأة بالمضامين السياسيّة والاجتماعيّة بخاصة الناقدة منها والتي تستهدف الوضع السائد سياسياً واجتماعياً ودينياً في المنطقة، بالإضافة إلى غيرها من شؤون الحياة العامة. بالتالي، ساهم موقع التواصل الاجتماعي ذاك في إنجاح ثورات الربيع العربي بشكل كبير، ما جعل البعض يسمّيها "ثورات الفيسبوك".
لقد تعلّم العراقيّيون بسرعة فائقة أن يصنعوا "عالماً فيسبوكياً" لهم ويستخدموا كلّ الإمكانيات الموجودة في ذلك الموقع للاحتجاج على المأساة التي يعيشونها وإعلان معارضتهم لها. وقد ساهمت التجارب المشابهة الأخرى مثل "حركة شباب فيسبوك" المصريّة في تطوير تجربتهم بقدر كبير. لذلك، تابعت صفحات "فيسبوك" العراقيّة أخبار الثورة المصريّة الأولى والثانية بشكل خاص، وذلك بحماسة كبيرة محاولة اقتباس نموذج منها لتطبيقه في العراق. ما يمثّله موقع "فيسبوك" للشباب العراقي يرتبط بشكل مباشر بالبنية الاجتماسيّة (الاجتماعيّة-السياسيّة) للبلد. فحيث يفتقد المجتمع القنوات والأدوات الطبيعيّة لإبراز مطالبه والتعبير عن احتجاجه، سيلجأ بشكل طبيعي إلى بديل. وهذا ما وفّرته له مواقع التواصل الاجتماعي وبشكل خاص "فيسبوك". وتجدر الإشارة إلى أن الأحزاب في العراق لم تنشأ على أساس قواعد شعبيّة، وأبوابها ليست مفتوحة أمام الجميع للمشاركة في العمليّة السياسيّة، كذلك لا توجد في البلد مؤسّسات ونقابات مهنيّة واسعة النطاق تُمكّن أفرادها من التعبير عن آراء الجماعات، أما الإعلام ففي أغلب حالاته محسوب على جهة سياسيّة محدّدة. أضف إلى كلّ ذلك، أن الوضع الأمني السيء يشكّل خطراً بالنسبة إلى المعارضين المُهدّدين من قبل الحكومة ومن قبل الميليشيات والجماعات الإرهابيّة في آن واحد. وهنا، يتحوّل "فيسبوك" إلى نافذة وقناة التمرّد الوحيدة على الوضع الراهن، وذلك بهدف تنظيم الأصوات المعارضة وخلق تيار مجتمعي لم يجد أي مجال له للظهور في بيئته الطبيعيّة.
لقد خلق "فيسبوك" عالماً مجازياً للشباب العراقي الذي يحاول بناء مدينته الفاضلة فيه، تلك المدينة التي فقدها وعجز عن الحصول عليها في عالمه الحقيقي. فهو يستطيع في هذا العالم الجديد أن يعترض على كلّ القيم الاجتماعيّة والثقافيّة والدينيّة التي أدّت به إلى وضعه المأساوي الحالي، في حين أن المجتمع والنظام السياسي قد سلبا منه حقّ الاعتراض والتغيير في عالمه الحقيقي. وعلى الرغم من ذلك، فإن أجواء الخوف من سطوة المجتمع والنظام بقيت تلاحق الشباب العراقي في عالمه الافتراضي هذا، إذ يمتنع البعض عن الكشف عن هويّته الحقيقيّة لأنه ينشر أفكاراً ضدّ أحزاب سياسيّة متنفذة أو قيم دينيّة متجذّرة في المجتمع.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.