في العراق اليوم بون شاسع ما بين أداء الطبقة السياسيّة وبين الضغوط التي يعانيها السكان بسبب الأوضاع الأمنيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة. وعلى الرغم من الإخفاق الواضح في التعامل مع الأوضاع الأمنيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، فإن تلك الطبقة السياسيّة قرّرت أن تكافئ نفسها بامتيازات غير مسبوقة وبشكل يعبّر عن لامبالاتها الشديدة تجاه "الناخبين". ففي خلال السنوات الماضية أصدرت المؤسّسات التشريعيّة والتنفيذيّة والمستقلّة تشريعات وقرارات تمنح أعضاءها مرتّبات عالية جداً وامتيازات إضافيّة كبيرة. فأعضاء البرلمان مثلاً يتقاضون حوالى 22500 دولار أميركي شهرياً كأجور ومخصّصات للسكن والأمن الشخصي، في الوقت الذي لا يتجاوز معدّل ما يتقاضاه الموظّف الحكومي المتوسّط 600 دولار شهرياً. وفي حين يُفترض أن تكون هذه الامتيازات العالية حافزاً للعمل، فإن البرلمان العراقي عُرف بفشله المتكرّر بعقد جلساته بسبب غياب أكثر من نصف الأعضاء.
في الواقع العراق هو بلد ريعي تتولّى نخبته السياسيّة الإشراف على توزيع عوائد النفط بالطريقة التي تخدم مصالحها، وهو الأمر الأكثر رسوخاً حول طبيعة هذا النظام الفوضوي. فالعلاقة ما بين الضريبة والتمثيل غير موجودة في الدول الريعيّة، حيث تتحوّل النخبة الحاكمة عملياً إلى مالك للثروة يقوم بتوزيعها بالطريقة التي تناسب مصالحه في حين يتحوّل السكان إلى تابعين ينتظرون هبات السلطة. ومثل هذه العلاقة ما بين المعيل والتابع، كانت موجودة بشكل صريح في ظلّ نظام الرئيس العراقي الراحل صدّام حسين . فالإعلام الرسمي آنذاك كان يطلق على أي منحة حكوميّة ماليّة أو عينيّة للمواطنين تسمية "مكرمة" تقدّمها القيادة. مثل هذا الخطاب لم يعد موجوداً اليوم، لكن الممارسات المتعلّقة بتوظيف المال السهل للريع النفطي بهدف خدمة أهداف القوى السياسيّة ما زالت موجودة. والصراع السياسي يجري في الأساس حول سعي كلّ فريق للسيطرة على حصّة أكبر من هذا الريع النفطي.
أما الجديد اليوم، فهو أنه على الرغم من العنف القاتل الذي تمارسه المنظّمات الإرهابيّة والقمع الذي تمارسه السلطات الأمنيّة الحكوميّة بحجّة مواجهة الجماعات الإرهابيّة، إلا أن عدداً كبيراً من العراقيّين يُظهرون عزماً على التصدّي لهذه الأوضاع. ففي بدايةشهر أيلول/سبتمبر الجاري، انطلقت موجة جديدة من الاحتجاجات في بغداد وفي العديد من المدن العراقيّة. وقد بدت هذه المرّة أكثر تواضعاً في مطالبها ووضوحاً في أهدافها. وهذه الاحتجاجات جاءت كثمرة لعمليّة تنظيميّة انطلقت منذ شهور عدّة، وتحديداً من خلال صفحة على موقع "فيسبوك" للتواصل الاجتماعي تحت عنوان "حملة إلغاء تقاعد البرلمانيّين". وقد ركّزت الحملة على الدعوة إلى إلغاء المرتّبات التقاعديّة الضخمة التي يتقاضاها أعضاء البرلمان، فضلاً عن الامتيازات الكبيرة التي يتمتّع بها المسؤولون والتي لا تتناسب مع المستوى المعيشي في بلد تعانيشرائح كبيرة من سكانه من الفقر والبطالة وغياب الخدمات العامة. وتجدر الإِشارة إلى أن ثمّة من انتقد هذه الحملة لأنها تركّز على قضيّة ثانويّة ومحدودة وتتجاهل قضايا رئيسيّة من قبيل العنف المتصاعد والتسلّط المتزايد لأجهزة الدولة والفساد المستشري والمحاصصة الطائفيّة إلخ...
بعض منتقدي رئيس الوزراء نوري المالكي اعتبروا أن التركيز على انتقاد امتيازات النواب يخدم سياسة المالكي التي تهدف إلى إضعاف مجلس النواب، في الوقت الذي يوسّع هو نفوذه ليطال مختلف مفاصل الدولة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.