يوم السبت في 31 أيار/مايو الماضي، أصدر وزير الداخليّة في الحكومة اللبنانيّة نهاد المشنوق قراراً يقضي بنزع صفة النازح عن كل مواطن سوري مسجّل في لبنان بهذه الصفة، إذا ما عاد ودخل مجدداً إلى الأراضي السوريّة. وحدّد الوزير موعداً لسريان هذا القرار اعتباراً من الأول من حزيران/يونيو 2014. وهو قرار يبدو عادياً في الشكل والمضمون والتوقيت، إذا ما نُظر إليه بمعزل عن الاصطفافات السياسيّة المعروفة. لكن في ظل الانقسام الواقع بين اللبنانيّين حيال الحرب في سوريا، وكذلك في ظل صراع كل طرف مع الآخر ومع أحد طرفَي الأحداث السوريّة نفسها، بدا أن للقرار المذكور أبعاداً أخرى أكثر تعقيداً وربما أكثر قابليّة لتفجير وضع النازحين السوريّين في لبنان.
ففي الشكل، يشمل القرار نحو مليون ومئة ألف مواطن سوري باتوا مسجّلين كنازحين على لوائح المفوضيّة السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في بيروت. وفي الشكل أيضاً، يمكن لهذا القرار في حال تطبيقه بدقّة أن يشكّل تغييراً كبيراً في وضعيّة هؤلاء. فسقوط صفة النازح يؤدّي إلى حرمان حاملها من المساعدات التي تقدّمها المفوضيّة. علماً أنه وكما ذكرت مصادر رسميّة لـ"المونيتور"، فإن حركة الانتقال بين لبنان وسوريا تسجّل عبور متبادلاً بمعدّل 600 ألف شخص شهرياً. أكثر من 80 في المئة من هؤلاء سوريّون. وتقدّر المصادر نفسها أن يكون قسم كبير من هؤلاء السوريّين العابرين دورياً، من المسجّلين كنازحين في لبنان.
تأكيد حكومي لبناني آخر على طبيعيّة القرار وخلفيّته التنظيميّة البحتة، يقدّمه وزير الشؤون الاجتماعيّة في الحكومة اللبنانيّة رشيد درباس. فهو يوضح لـ"المونيتور" أن القرار كان قد وضع قيد الدرس منذ الاجتماع الوزاري الذي عقد في العاصمة الأردنيّة مطلع أيار/مايو الماضي، للدول المحيطة بسوريا والمعنيّة بأزمة نازحيها. فعلى هامش المؤتمر، تبيّن للمسؤولين اللبنانيّين أن السلطات الأردنيّة بالتعاون مع المفوضيّة السامية، تطبّق هذا الإجراء للحدّ من عمليّة النزوح غير المبرّر ولتأمين أكبر قدر من المساعدات لمستحقيها. فيتمّ ضبط البصمة العينيّة لكل نازح عند الحدود الأردنيّة-السوريّة، لحظة تسجيله. ويتمّ تبادل تلك المعطيات بين مختلف السلطات الأردنيّة والدوليّة، وتعمّم على كل المعابر الحدوديّة والمرافق الجويّة والبحريّة للمملكة. وهكذا يتمّ إسقاط صفة النازح عن كل مسجّل يظهر أنه عاد إلى سوريا وحاول مجدداً الدخول إلى الأردن. ويؤكد درباس على أنه تقرّر تطبيق هذا الإجراء في لبنان. وكانت التحضيرات قد اتّخذت للبدء به مع انعقاد الدورة المقبلة لمؤتمر دول الجوار السوري في بيروت هذه المرّة، منتصف حزيران/يونيو الجاري. وبالتالي ما من شيء غريب أو مريب في الخطوة التي أقدم عليها وزير الداخليّة.
في المقابل، تؤكد القوى السياسيّة اللبنانيّة الحليفة للحكم السوري على أن قرار وزير الداخليّة اللبنانيّة المعارض لسلطات دمشق والمقرّب سياسياً من المعارضة السوريّة، يحمل خلفيّة أخرى لا علاقة لها بتنظيم عمليّة النزوح السوري. وتشير تلك القوى إلى أن هدف الخطوة في توقيتها، مرتبط بالانتخابات الرئاسيّة السوريّة التي أجريت في الثالث من حزيران/يونيو لا غير. ذلك أنه يوم الأربعاء في 28 أيار/مايو الماضي، كان موعد فتح صناديق الاقتراع في السفارة السوريّة في بيروت، لاقتراع السوريّين المقيمين في لبنان. وقد سجّلت طيلة ذلك اليوم ظاهرة صدمت كثيرين وتمثّلت بتوافد حشود هائلة قدّرها البعض بنحو خمسين ألف مواطن سوري على مقرّ السفارة المحاذي لوزارة الدفاع اللبنانيّة والقريب من القصر الرئاسي اللبناني في منطقة بعبدا، رافعين صور الرئيس السوري بشار الأسد ومعلنين تأييدهم له. ما شكّل تظاهرة سوريّة غير مسبوقة لدعم الأسد في قلب لبنان. خصوم الأسد من السياسيّين اللبنانيّين رأوا أن ما حصل كان معداً ومقصوداً من قبل أجهزة النظام السوري ومن قبل حزب الله، وأن الهدف منه هو إيصال رسالة إلى معارضيهم في لبنان من سوريّين ولبنانيّين، بأن هذا النظام ما زال موجوداً وفاعلاً على الأراضي اللبنانيّة، وقادراً على القيام بخطوات تنفيذيّة على الأرض. وذلك فضلاً عن الرسالة الإعلاميّة الموجّهة إلى المجتمع الدولي والرأي العام العالمي، بأن أكثريّة السوريّين مؤيّدة للأسد وأن النازحين من سوريا لم يهربوا من سلطاتها بل من المعارضة وأنهم حين يقدّر لهم التعبير عن آرائهم بحريّة كما في بيروت، فهم مع الأسد وضدّ معارضيه. علماً أنه طيلة يومَي الاقتراع السوري في لبنان الأربعاء والخميس 28 و29 أيار/مايو، صدرت مواقف عدّة عن القوى السياسيّة المقرّبة من وزير الداخليّة والمعارضة للأسد، تطالب بترحيل الذين اقترعوا للأسد وتدعو إلى إبعاد كل من تظاهر تأييداً له من لبنان.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.