تجتاح حمى اقتناء الأسلحة الفرديّة والتدرّب على استخدامها اللبنانيّين، خصوصاً بعد المعركة التي خاضها المسلّحون الأصوليّون السنّة في منطقة عرسال شمال شرق لبنان، ضدّ الجيش اللبناني في 2 آب/أغسطس الماضي. انتشرت حالة من الذعر في مختلف المناطق المحاذية لرقعة الاشتباكات، وسكنت حالة أكبر من الهلع والرعب كلّ الجغرافيا اللبنانيّة التي ينتشر فيها أكثر من مليون نازح سوريّ، بعدما أعلنت وسائل الإعلام والمصادر العسكريّة الرسميّة أنّ عدداً كبيراً من المسلّحين الذين قاتلوا الجيش خرجوا من مخيّمات النازحين.
ليست أصلاً فكرة اقتناء سلاح حربيّ فرديّ غريبة عن اللبنانيّين. ويبدو أنّ بندقيّة حربيّة واحدة على الأقلّ موجودة في كلّ بيت لبنانيّ. قاعدة مرتبطة بذاكرة الحروب الأهليّة الدائمة، وضعف مفهوم الدولة في أذهان اللبنانيّين قبل تجلّي هشاشتها على أرض الواقع. وبالتالي، ما استجدّ بعد معركة عرسال لا يتعلّق بحيازة السلاح وحسب، بل ذهب خطوة أبعد إلى الأمام: إنّها ظاهرة ما يعرف في لبنان منذ عقود بإسم "الأمن الذاتيّ"، كعبارة مهذّبة لمفهوم الميليشيات الأهليّة الخاصّة كوسيلة رديفة للدفاع عن الذات.
بعد أيّام قليلة على اشتباكات عرسال، بدأت الظاهرة في القرى البقاعيّة المحيطة بتلك البلدة السنّية التي يسكنها نحو 30 ألفاً من أبنائها، ويقيم في جوارها أكثر من 120 ألف نازح سوريّ. أحسّ سكّان البلدات المسيحيّة والشيعيّة المجاورة بخطورة الوضع، وما كان لأيّ تطمين رسميّ أن يبعد عنهم قلق اجتياح إرهابيّي "الدولة الإسلاميّة" قراهم. في غضون أيّام قليلة، انطلقت ظاهرة الحراسة الليليّة من قبل الأهالي لأحيائهم. وأكّد أحد السكّان المسيحيّين في بلدة بقاعيّة لموقعنا: "الأمر انطلق عفويّاً، قبل أن يشهد تقدّماً تنظيميّاً مطرداً خلال الأسابيع التي تلت معركة عرسال. بدأت المسألة بفكرة أن يكون هناك مجرّد إنذار في حال تسلّل الإرهابيّين إلى بلدتنا، فيطلق أحدهم رشقاً واحداً ليتنبّه الأهالي، وليتمّ إبلاغ الجيش بما يحصل. لكن تدريجيّاً، تطوّر الأمر أكثر. صارت عندنا مجموعات متخصّصة، وجداول مناوبة، وتنظيم محلّي لذلك. كما بدأنا البحث عن رفع مستوى التسليح كما تدريب العناصر". تسأله عن مصادر السلاح، يردّ فوراً أنّه متوافر بكثرة في السوق اللبنانيّة، وأنّ لا مشكلة إطلاقاً في تأمينه. وعن موقف القوى الرسميّة من هذه الظاهرة، يؤكّد أنّ "الأمر يتمّ بعلم القوى الرسميّة، ولو من دون إعلام. كما أنّ عسكريّين متقاعدين من أبناء البلدة يساعدون على ضبط الوضع وتنظيمه وتدريب المتطوّعين".
لا يختلف الأمر في عكّار الشماليّة. فقد أكّد أحد الأساتذة الجامعيّين من كبرى البلدات المسيحيّة في عكّار لموقعنا أنّ ظاهرة الحراسة الليليّة لمتطوّعين من البلدة أصبحت ثابتة. ويضيف أنّ الأمر ينتشر في كلّ محيط البلدة التي تضمّ مئات من العسكريّين المتقاعدين. وتعمد القرى السنّية في عكّار إلى السلوك نفسه. الجميع قلق هناك من تسلّل "الدولة الإسلاميّة". يخاف المسيحيّون على حياتهم، ويخشى السنّة من أن يجرّهم إرهابيّو "الدولة الإسلاميّة" إلى مواجهة لا يريدونها مع الجيش السوريّ المتأهّب على الحدود القريبة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.