تحبس بيروت أنفاسها، مترقّبة يوم السبت في 29 آب/أغسطس موعد التظاهرة الكبيرة، الّتي دعا إليها عدد كبير من النّاشطين المستقلّين ومن منظّمات المجتمع المدنيّ، ضدّ سياسة الحكومة اللبنانيّة، خصوصاً على أثر فشل الأخيرة في حلّ أزمة النفايات المتفاقمة في البلاد... أزمة النفايات هذه، كانت قد بدأت في 17 تمّوز/يوليو الماضي، عندما قرّرت الحكومة اللبنانيّة إقفال أحد أكبر المطامر، الّتي كانت تستخدمه شركة خاصّة تلتزم كنس النفايات وجمعها، ثمّ نقلها لرميها في المطمر المذكور، في بلدة النّاعمة الساحليّة، على بعد نحو 10 كلم جنوب بيروت. وإنّ قرار إقفال المطمر كان قد اتّخذه وزير البيئة في 4 كانون الثاني/يناير الماضي، وحدّدت تاريخ 17 تمّوز/يوليو من عام 2015 موعداً له، وذلك تحت ضغط أهالي بلدة النّاعمة والقرى المحيطة بها، الّذين أقاموا سلسلة من الاعتصامات، مطالبين بإقفال المطمر، متذرّعين بأنّ آثاره البيئيّة على منطقتهم وسكّانها باتت لا تحتمل. كما هدّدوا بإقامة تحرّكات ميدانيّة لمنع شاحنات النفايات من إفراغ محتوياتها هناك بالقوّة.
علماً أنّ الحكومة اللبنانيّة، كانت قد أطلقت منذ قرارها إقفال مطمر النّاعمة في كانون الثاني/يناير الماضي، مناقصة رسميّة لتلزيم شركات جديدة عمليّة جمع النفايات في كلّ لبنان، بعدما تمّ تقسيم البلاد إلى ستّ مناطق، على أن تلزّم كلّ منطقة إلى شركة، غير أنّ تعقيدات إداريّة وعراقيل بيروقراطيّة، فضلاً عن كلام عن محاصصة سياسيّة وشبهات فساد تحوم حول أصحاب الشركات المشاركة في تلك المناقصة وعلاقتهم بسياسيّين داخل الحكومة، أدّت إلى تأخير المناقصة، بحيث جاء الموعد المحدّد لإقفال مطمر النّاعمة في 17 تمّوز/يوليو الماضي، من دون أن يكون هناك أيّ بديل أو أيّ مكان آخر لرمي النفايات فيه، وهو ما فجّر أزمة وطنيّة كبرى، تمثّلت بتراكم النفايات في الشوارع، مع ما رافق ذلك من أزمات متلاحقة بيئيّاً وسياسيّاً.
وإزاء تلك المشكلة المتفاقمة يوميّاً، بدأت مجموعة من الشبّان النّاشطين، في شكل مستقلّ عن الأحزاب والقوى السياسيّة، سلسلة تحرّكات في بيروت وبعض المناطق اللبنانيّة تحت عنوان حملة "طلعت ريحتكم"، في إشارة إلى أنّ المسؤولين في الحكومة والسلطة في لبنان فاسدون، وإلى أنّ أزمة النفايات فضحتهم وجعلت روائح الفساد تفوح منهم. وراحت هذه الحملة تتصاعد في الشارع، حتّى بلغت في 22 آب/أغسطس حدّ تنظيم اعتصام في وسط بيروت، أمام مبنى السراي العثمانيّة التاريخيّة، مقرّ رئاسة مجلس الوزراء. ومساء ذلك اليوم، عمد المشاركون في الاعتصام إلى رفع شعارات مندّدة بالحكومة اللبنانيّة. كما راح المتظاهرون والمعتصمون يردّدون شعارات تقول بإسقاط النّظام، على طريقة شعارات تظاهرات "الرّبيع العربيّ"، الّتي شهدتها عواصم عربيّة عدّة سنة 2011. ولم تلبث تلك الحركة أن تطوّرت لتصل إلى وقوع احتكاكات بين المتظاهرين وبين القوى الأمنيّة المنتشرة في محيط مقرّ رئاسة الحكومة، احتكاكات تصاعدت حتّى بلغت حدّ استخدام القوّة من قبل القوى الأمنيّة، في محاولة لتفريق المتظاهرين وفضّ الاعتصام. وفي حمأة تلك الاحتكاكات، أطلقت على المتظاهرين عيارات ناريّة بالرصاص الحيّ، كما بالرصاص المطاطيّ، ممّا أدّى إلى وقوع عدد كبير من الجرحى، قيل إنّه بلغ نحو 30 جريحاً، بحسب بيانات رسميّة للصليب الأحمر اللبنانيّ، الّذي تولّى معاجلة الجرحى ونقلهم إلى مستشفيات العاصمة، وإصابة واحد منهم على الأقلّ كانت خطيرة، ذلك أنّ شاباً معتصماً اسمه محمّد قصير، أصيب في رأسه ونقل للمعالجة وحاله خطرة جدّاً.
وإثر ذلك، بدأت موجة جديدة من التّصعيد من قبل المتظاهرين وراحت مطالبهم ترتفع، من مسألة النفايات ومعالجتها إلى المطالبة بمحاكمة المسؤولين عن إطلاق النار على المعتصمين واستخدام القوّة لتفريقهم وطردهم من وسط بيروت. وفي شكل متلازم، بدأت تتّسع حركة الاحتجاجات، وراحت تنضمّ إلى النواة الأولى المكوّنة من حملة "طلعت ريحتكم"، حركات أخرى عدّة من تجمّعات شبابيّة ومنظّمات مجتمع مدنيّ ومستقلّين، وصولاً إلى كلام عن مشاغبين اندسّوا بين المتظاهرين لافتعال احتكاكات مع القوى الأمنيّة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.