ليست الخلافات السياسيّة والإنشقاقات الحزبيّة جديدة على حزب الدعوة الإسلاميّة، وهو الطرف الرئيسيّ في الائتلاف الحاكم في العراق منذ عام 2005 حتّى الآن، ولكن ما يشهده الحزب من خلافات جذريّة وصراعات حادّة منذ رئاسة وزراء حيدر العبادي تعدّ غير مسبوقة، من حيث عكسها لصراعات شيعيّة – شيعيّة على المستويين العراقيّ والإقليميّ.
لقد تأسّس حزب الدعوة الإسلاميّة في خمسينيّات القرن الماضي في العراق، من قبل رجال دين وجامعيّين شباب ذات نزعة دينيّة سياسيّة لمحاربة الشيوعيّة وتأسيس الحكم الإسلاميّ. وكانت الإيديولوجيّة الأساسيّة للحزب متأثّرة ومستوحاة في شكل كبير من جماعة الإخوان المسلمين. كما كان الجيل الأوّل من مؤسّسي الحزب على علاقة مباشرة مع الحزب الإسلاميّ الّذي كان يعتبر الفرع العراقيّ لجماعة الإخوان. وهناك أيضا صلات تربط حزب الدّعوة بحزب التّحرير المتأثّر بدوره بالإخوان. وقد وثّق السيّد طالب الرفاعي من مؤسّسي حزب الدعوة، هذه الصلات والعلاقات في حواراته مع رشيد الخيون في كتاب بعنوان "أمالي السيّد طالب الرفاعي".
وحكمت الطبيعة الجدليّة بين رجال الدين والجامعيّين في الحزب، ظهور خلافات حادّة بين حين وآخر. وبنتيجة ذلك، شهد الحزب انقسامات عدّة خلال سنوات معارضته للأنظمة اليساريّة والقوميّة المتوالية في العراق. واستمرّت الإنقسامات في إيران وسوريا بعد هروب كوادره إليهما، إثر ضغوط نظام البعث عليهم. كما أنّ وصولهم إلى السلطة في العراق بعد عام 2003 ضمن مجلس الحكم، ثمّ تسلّمهم رئاسة الحكومة لم يوقف سلسلة الإنشقاقات فيه. ورغم شدّة الخلافات وكثرة الانشقاقات في حزب الدعوة خلال عقود حضوره في المشهد السياسيّ الشيعيّ، لم يخرج كلّ فروع الحزب من مخيّم الإسلام السياسيّ الداعي إلى نظام حكم دينيّ بأشكاله المختلفة. ولذلك، وأيضاً بحكم البراغماتيّة القويّة لدى كوادر الحزب، لم تتردّد الفروع المنشقّة عن العمل معاً في حال وجود مصلحة حزبيّة عالية لذلك. ويعدّ هذا أحد أسباب نجاح حزب الدعوة في التمّسك بالحكم في العراق منذ عام 2005 حتّى الآن،، ولكن هذه الخصوصيّة لم تزل قائمة، إذ هناك معالم عن نشوب صراع وخلاف كبير بين قياداته حول الإيديولوجيّة والسلوك السياسيّ للحزب.
وجاءت رئاسة وزراء حيدر العبادي في أيلول/سبتمبر من العام الماضي، بعد مخاض عصيب في المشهد السياسيّ العراقيّ، حيث كان رئيس الوزراء السابق نوري المالكي يصرّ على ترشيح نفسه، لكنّ الأطراف السياسيّة الأخرى، وأيضاً قسماً من قيادات حزب الدعوة، لم تكن موافقة على ترشيح المالكي. واضطرّ أخيراً الجناح المخالف للمالكي في حزب الدعوة إلى أن يبحث عن طريقة للتخلّص من المالكي الّذي أصبح عبئاً عليه، بسبب رفضه من قبل معظم التيّارات السياسيّة آنذاك. وقام هؤلاء بتقديم استفسار للسيّد السيستاني حول الأزمة السياسيّة في اختيار رئيس الوزراء، مطالبين فيها رأيه الحاسم بالخلاف الجاري بين الطبقة السياسيّة الشيعيّة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.