إنّ الطلب على المحارم ليس مرتفعاً في القدس هذه الأيّام. فرئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو لم يذرف أيّ دمعة بسبب تصويت سكّان المملكة المتّحدة لخروج بلدهم من الاتّحاد الأوروبيّ. ووفقاً لقواعد لعبة التعادل الإسرائيليّة على الساحة الدوليّة، كلّما كان غير اليهود أضعف كان اليهود أقوى. وكلّما ازداد القلق في بروكسل، انخفض التوتّر في القدس. يسود اعتقاد في القدس أنّ الحكومات الأوروبيّة تتنافس مع الإدارة الأميركيّة على بطولة اتّحاد كارهي إسرائيل. وإنّ أجنحة الاتّحاد الأوروبيّ المقصوصة تزيد احتمال شطب الاتّحاد من أجندته تهديده بإذابة الجليد الدبلوماسيّ مع الفلسطينيّين وتجميد بناء المستوطنات.
وبالنسبة إلى رئيس الوزراء، يُعتبر توقيت الصدمات التي هزّت أوروبا ممتازاً. فقد حصلت هذه الصدمات في الشهر نفسه الذي أيقظت فيه فرنسا "عمليّة السلام" المعطّلة منذ أكثر من سنتين، أي منذ أن لوّح وزير الخارجيّة الأميركيّ جون كيري بعلم الاستسلام الأبيض وأوقف مبادرته الخاصّة بالسلام. وفي ذلك الشهر أيضاً، انعقد مؤتمر دوليّ في باريس أعاد إلى الواجهة مشكلة الاحتلال الإسرائيليّ ومستوطناته في الضفّة الغربيّة. وفي حزيران/يونيو 2016، سجّل المجلس الأوروبيّ في محضر اجتماعه أنّ 28 وزير خارجيّة صوّتوا لصالح المبادرة الفرنسيّة وتعهّدوا بدعمها. وإنّ تنفيذ قرار خروج بريطانيا من الاتّحاد الأوروبيّ سيخفّض هذا الرقم إلى 27.
ليست بريطانيا مجرّد دولة من بين 28 دولة عضو في الاتّحاد الأوروبيّ. فمكانة المملكة المتّحدة ليست كمكانة بولندا أو اليونان. إنّ بريطانيا هي واحدة من الدولتين الأوروبيّتين دائمتي العضويّة في مجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة، وشريكة الولايات المتّحدة الأقرب والأكثر وفاء في القارّة. وكانت فرنسا، وهي الممثّلة الثانية في الاتّحاد الأوروبيّ من بين الدول الخمسة دائمة العضويّة، صريحة جداً بشأن جهودها الهادفة إلى إحباط خروج بريطانيا من الاتّحاد الأوروبيّ. وقد قوّض فشلها في منع هذا الخروج ما تبقّى من شعبيّة الرئيس الفرنسيّ فرانسوا هولاند. بالإضافة إلى ذلك، لم يساعد الاستفتاء البريطانيّ المستشارة الألمانيّة أنغيلا ميركل، وهي الطرف الثالث في القيادة الأوروبيّة الرئيسيّة، على التعافي من أزمة اللاجئين السوريّين. فهي أيضاً تُعتبر من الفاشلين في هذه الخطوة.
وسيلحق خروج بريطانيا أيضاً الضرر باللجنة الرباعيّة للسلام في الشرق الأوسط المؤلّفة من الاتّحاد الأوروبيّ والولايات المتّحدة وروسيا والأمم المتّحدة. فقد بذل نتنياهو جهوداً هائلة في الأسابيع الأخيرة لتخفيف الانتقادات الموجّهة إلى السياسة الإسرائيليّة في الأراضي المحتلّة في تقرير خاصّ أعدّته اللجنة الرباعيّة وستنشره قريباً. وقال مصدر دبلوماسيّ لـ "المونيتور" هذا الأسبوع، طالباً عدم الكشف عن اسمه، إنّ معدّي التقرير على علم بوثيقة أعدّها ممثّلون استشاريّون أجانب في القدس وتتضمّن بيانات عن ارتفاع ملحوظ في عمليّات بناء المستوطنات الإسرائيليّة في الأراضي الفلسطينيّة وانتهاكات حقوق الانسان ضدّ الفلسطينيّين. لكن من المتوقّع ألا يلقى تقرير اللجنة الرباعيّة صدى كبيراً في الاتّحاد الأوروبيّ المنشغل بتضميد جراحه الناجمة عن خروج البريطانيّين منه، وفي الولايات المتّحدة المنشغلة بالحملة الانتخابيّة الأكثر جنوناً التي شهدتها منذ أجيال.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.