تبدو الأمور في بيروت وكأنها على وشك الانفجار. فالتطورات التصعيدية سياسياً وأمنياً بلغت حداً دقيقاً. حتى أن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، تحدث يوم الأربعاء الماضي عن "أن اياماً قليلة قد تفصلنا عن الفتنة". كل التفاصيل هنا تكاد تعيد تركيب أحداث 7 ايار 2008.
منذ أسابيع عدة تشهد حرارة الاحتقان اللبناني ارتفاعاً مطرداً. لكن الأيام القليلة الماضية وصلت بها إلى مرحلة مفصلية. الطرفان المعلنان في المواجهة هما في شكل أساسي المعسكر الشيعي بزعامة حزب الله من جهة، والمعسكر السني السلفي والأصولي بكل أطيافه من جهة أخرى. لكن المواجهة بينهما مرتبطة بشكل أساسي بخلفيات أوسع من الإطار اللبناني. بدءاً بالحرب الأهلية السورية، وصولاً إلى الكباش الإقليمي والدولي مع إيران، انتهاء بالحرب السنية الشيعية المفتوحة على امتداد العالم الاسلامي.
غير أن تطوراً جديداً طرأ على هذا المشهد اللبناني. وهو ما أضافه أحد قادة المجموعات السنية السلفية، الشيخ أحمد الأسير. ففي مؤتمر صحافي عقده الأسير يوم الثلثاء في 26 شباط في مقره في مدينة صيدا جنوب لبنان، أعلن القائد السلفي أنه يعطي الحكومة اللبنانية مهلة حتى يوم الجمعة في 28 منه، حتى تتسلم منه مطالبه. وأبرزها ادعاؤه بأن حزب الله يحاصره في مدينة صيدا، بواسطة سكان شيعة مقيمين في المدينة أو من أهلها. وكان واضحاً من تهديدات الأسير، أنه يطلب من الحكومة اللبنانية إخراج هؤلاء السكان من صيدا، أو على الأقل إبعادهم عن محيط مقره هناك. فضلاً عن سلسلة مطالب أخرى تصب كلها في إطار الصراع الذي يفجره ضد حزب الله. وإلا فهو سيلجأ إلى سلسلة خطوات ميدانية. أبرزها مبادرته إلى قطع طريق بيروت الجنوب، عند نقطة صيدا. علماً أن عجز الحكومة عن تلبية أي من تلك المطالب، كما الاستحالة العملية لتنفيذها، هو من البديهيات. علماً أن الشيخ السلفي نفسه كان قد لجأ إلى قطع الطريق المذكورة في تموز الماضي، ولنحو شهر كامل، قبل أن يعيد فتحها في الأول من آب 2012، تحت ضغط سياسي وشعبي مناهض له.
لكن المشكلة الأساسية في ما يهدد به المسؤول السلفي، هو فصل مناطق انتشار حزب الله عن بعضها. خصوصاً قطع التواصل اللوجستي الضروري والحيوي لحزب الله، بين معقله في ضاحية بيروت الجنوبية، وبين امتداده العملاني والشعبي والجغرافي في جنوب لبنان. علماً ان مجموعات سلفية أخرى متحالفة مع الأسير، قد تكون جاهزة للقيام بالعمل نفسه في البقاع الأوسط، بما يقطع شريانين آخرين حيويين كذلك لحزب الله. وهما الطريق بين الجنوب والبقاع الشيعي، كما الطريق بين بيروت ودمشق، حيث النظام السوري الحليف للتنظيم الشيعي الأبرز في لبنان. وكما يبدو، أجرى حزب الله تقويماً لتهديدات الأسير، واعتبرها جدية. لا بل وجد فيها خطوة متقدمة في سياق المهمة المكلف بها، والقاضية باستدراج حزب الله إلى معركة داخلية وفتنة مذهبية أياً كان الثمن. علماً ان خطوات تمهيدية سابقة كان قد نفذها الأسير في هذا الاتجاه، وبشكل تدريجي وتصعيدي. بدأت باشتباك بين مسلحيه وآخرين من حزب الله في صيدا في 11 تشرين الثاني الماضي، لتحقيق مطلب له بإزالة صورة لحزب الله،ما أدى إلى سقوط قتيلين. واستمرت حركته بوتيرة مطردة، حتى معركته الأخيرة لتطهير محيط مقره من السكان الشيعة واشتباكه معهم في 23 شباط. وإزاء هذا التقويم، يبدو أن حزب الله قرر إعطاء الإنذار الأخير. إذ أطل أمينه العام السيدحسن نصرالله في خطاب متلفز بعد ظهر الأربعاء الماضي، نافياً شائعات إعلامية عن إصابته بمرض سرطاني ونقله إلى إيران، لكن أيضاً مطلقاً تنبيهاً شديد اللهجة. إذ أكد أن التحريض المذهبي الحاصل ذاهب إلى الانفجار الحتمي. وانه يرى أن المدة الفاصلة عن ذلك قد تكون أياماً قليلة لا غير. داعياً اصحاب النيات الطيبة والمساعي الخيرة إلى التحرك قبل فوات الأوان.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.