كان رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي، في مكتبه الفسيح في الطابق الثاني من السراي العثمانية الكبيرة في قلب بيروت، يروي لي بحماس ظاهر، كيف أن السلطات الكويتية أبلغته أن نحو عشر طائرات مملوءة بالمسافرين، ستحط يومياً في مطار بيروت، على مدى أكثر من أسبوع، حاملة سياحاً كويتيين آتين لقضاء عطلة رسمية طويلة في بلادهم، تمتد على نحو عشرة أيام. وكان ميقاتي الآتي من عالم المال الأعمال إلى السياسة، يشرح كيف أنه استدعى الوزير المختص وطلب منه الاهتمام بهؤلاء السياح الكويتيين بدقة وعناية شديدة، كونهم من طلائع الزوار الخليجيين الذين يزورون لبنان، بعد شبه مقاطعة من دول خليجية أخرى، لأسباب سياسية مغلفة بالطابع الأمني...
لكن المشهد اللبناني خارج السراي، بدا أكثر قتامة واسوداداً. حتى أن البعض بات يتكلم عن بداية تحلل الدولة اللبنانية واندثارها. ففي غضون عطلة الأسبوع الماضي، كان الوضع الأمني في مختلف المناطق اللبنانية، ينوء تحت أعباء ثقيلة، رتبتها عليه عوامل ثلاثة متفاعلة ومتضاعفة.
أولاً، استمرار تداعيات الحرب الأهلية السورية على المناطق اللبنانية الحدودية المحاذية. حيث تقوم في جوارها ساحة لأعنف حروب التطهير والإبادة والعنف الأصولي "الجهادي" منذ عقود. وفي النقاط نفسها التي توقع موقع آلمونيتور قبل اسابيع، استدراج الحرب السورية عبرها إلى لبنان، شهدت نهاية الأسبوع الفائت اشتباكات عنيفة بين مسلحين من على طرفي الحدود: في منطقة الهرمل عند الزاوية الشرقية الشمالية للبنان، وفي منطقة عكار، في الشمال. في المنطقة الأولى اشتباكات عنيفة بين مسلحين من حزب الله من الجهة اللبنانية وآخرين من الجهاديين داخل سوريا، وفي المنطقة الثانية، اشتباكات مماثلة بين جهاديين لاجئين إلى داخل الأراضي اللبنانية في منطقة عكار، وبين الجيش السوري النظامي في الجهة المقابلة. مع حصيلة متراكمة لموقعَيْ تلك الحروب الضغيرة لا تقل عن 50 قتيلاً. رقم يبدو متحفظاً جداً، إذا ما ألقينا نظرة على الموقع الإلكتروني للجهاديين في منطقة القصير السورية (منسقية القصير الثورة)، حيث وقع الاشتباك مع مسلحي حزب الله، والذي كان حتى اليومين الماضيين قد نعى نحو 37 من "جهادييه"...
محور التصعيد الأمني الثاني في لبنان، تمثله الحركات الأصولية السنية داخل الأراضي اللبنانية. فهي باتت منذ اندلاع الحرب الأهلية السورية، في حالة غليان مستمر، وتتجه تدريجياً إلى تصعيد مواجهتها مع حزب الله من جهة، ولكن مع السلطات اللبنانية الرسمية من جهة أخرى كذلك. وفي نهاية الأسبوع الماضي نفسه، سجلت هذه الحركات خطوات نوعية جديدة لها، قد تؤشر إلى وتيرة أكثر سخونة في الأيام المقبلة.ومن هذه الخطوات ثلاث بارزة: في صيدا، المدينة الأولى في جنوب لبنان، وذات الأكثرية السنية، نفذ أحد القياديين السلفيين السنة، الشيخ أحمد الأسير، انتشاراً أمنياً واسعاً في المدينة، بهدف طرد مجموعة من الطلاب الشيعة المقيمين في شقق سكنية قرب مقره. وذلك بحجة اتهامه لهم بانهم عناصر تابعون لحزب الله، ومولجون رصده ومراقبة تحركاته. وذهب الأسير في تحدي السلطات الرسمية إلى حد ارتدائه لباساً قتالياً كاملاً وحمله رشاشاً وظهوره به أمام شاشات التلفزة. فيما كان المسؤولون الرسميون مربكين حيال كيفية التعاطي معه، لجهة استدعائه من قبل القضاء أو التغاضي عن ذلك، وهو ما حصل...
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.