"عندما يفشل السياسي في انقاذ بلاده من التمزق ويتحول الى اداة للصراع، تتجه الانظار غريزياً الى الممثليات الاجتماعية والدينية لتحقيق هذا الهدف" .. قد لايكون هذا قانوناً حاسماً، فالشعوب لديها دائماً حلول لازماتها لاتلتزم ارادة السياسيين بالضرورة، لكن مايحدث في العراق بعد عشر سنوات من ازالة النظام الشمولي، يفرض العودة الى حيث النقطة الاولى "توافق اجتماعي وديني يفرض التوافق الاجتماعي".
الاعتراض الاول سيدور حول دور رجال الدين والقبائل انفسهم في تكريس الانقسام السياسي والديني والاجتماعي، والحقيقة ان رداء الدين واسع كما هو رداء القبائل، والاصل ان العراق حدث فيه بعد العام 2003 توافق سياسي هش بني في الاساس على استثمار السياسيين للرمزية الدينية لصالح حسابات حزبية وسياسية، على وفق المبدأ القائل "إذا أردت أن تتحكم في جاهل عليك أن تغلاف كل باطل بغلاف ديني" الذي طبق في العراق على نطاق واسع.
فمنذ اولى رسائل ابو مصعب الزرقاوي الى زعيم تنظيم القاعدة اسامة بن لادن في مع بداية تشكيل العملية السياسية حول حكم الشيعة في العراق والدفاع عن السنة والى تصريحات النخب السياسية الاخيرة التي تتداول مصطلح "الفتنة الطائفية" بافراط، كان استثمار الدين يتم على الدوام لمصالح سياسية. فقد زرع السياسيون العراقيون سنة وشيعة واكراد المخاوف لدى مكوناتهم الاجتماعية من خطر المكونات الاخرى في مقابل حصولهم على تمثيل دائم لهذه المكونات.
اليوم وفي خضم الاضطرابات الامنية والاجتماعية التي تهدد من جديد بحرب اهلية، يعود العراقيون للتشبث بدور رجال الدين، وبعض هؤلاء يحاولون التحرك في نطاق الدور الابوي الذي يمثله الدين على المجتمعات، ابتداء من خريطة الطريق التي رسمها المرجع الشيعي الاعلى اية الله علي السيستاني لحل الازمة عبر الحوار وتبني الدولة المدنية، الى الطروحات التي تصدرها رجل الدين السني البارز الشيخ عبد الملك السعدي حول مطالبة المتظاهرين في عدد من المدن العراقية بالتزام الاعتدال في خطاباتهم، والتمسك بالسلم الاجتماعي.
واخيراً كان اعلان مجموعة من رجال الدين الشباب عن تأسيس "المجلس العراقي لحوار الاديان" الذي تبناه السيد جواد الخوئي الامين العام لمؤسسة الامام الخوئي الخيرية والاب امير ججي النائب الاقليمي للاباء الدومنيكان في العالم العربي والسيد سعد سلوم رئيس مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والاعلامية.
وفكرة هذا التجمع الديني تقوم في الاساس على الاقرار بان السياسيين العراقيين بعد عشر سنوات من التجارب المريرة فشلوا في التوصل الى ارضية مشتركة حول الاسئلة الكبرى مثل هوية الوطن وتقاسم السلطة وتوزيع الثرورة، وان الوقت حان لاداء رجال الدين دوراً جديداً في تكريس السلم الاجتماعي ومنع السيناريوهات الخطيرة التي يقود اليها الوسط السياسي العراقي.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.