تطور جديد وخطير سجل في الأيام الماضية على الحدود اللبنانية السورية. ففيما كانت الحدود العراقية السورية تسجل أول اشتباك مسلح بين جهاديين سنة من جهة وبين جنود عراقيين وآخرين سوريين من جهة أخرى، ذهب ضحيته عشرات القتلى، كان شريط واسع من الحدود بين لبنان وسوريا يتحول للمرة الأولى مسرحاً لتماس مباشر وغير مسبوق بين مسلحي حزب الله الشيعة ومسلحي "جبهة النصرة" من الجهاديين السنة. تطور يتوقع أن تكون له تداعيات خطيرة في الأسابيع المقبلة، وتطرح حوله أكثر من نظرية حول أسباب حصوله وخلفيات هذا الوضع المستجد.
قبل نحو أسبوع، وفي ظل الاشتباكات المتقطعة والمتكررة على طرفي الحدود الشرقية الشمالية بين لبنان وسوريا، اكدت معلومات متقاطعة أن تطوراً ميدانياً حصل على الجانب السوري من الحدود بين البلدين. وهو ما لم تلبث جهات رسمية لبنانية أن أكدته. وخلاصة الأمر أن قوات الجيش السوري الرسمي نفذت إعادة انتشار شبه كاملة في منطقة النبك السورية القريبة من الحدود مع لبنان. الخبر في ذاته قد يبدو عادياً أو روتينياً في ظل الحركة الدائمة لوحدات الجيش السوري منذ بداية الحرب الأهلية هناك قبل نحو عامين. لكن عند الدخول أكثر في التفاصيل تتضح خطورة ما يحصل.
فمنطقة النبك المذكورة، تمتد على طول أكثر من 45 كيلومتراً من الحدود بين لبنان وسوريا، تحديداً عند الزاوية الشرقية الشمالية للبنان. تبدأ إلى الغرب عند منطقة جبل أكروم في عكار شمال لبنا، وصولاً إلى منطقة عرسال في البقاع شرقاً. على امتداد شريط من الجغرافيا الجردية الجبلية الوعرة جداً، حيث الدولة اللبنانية غائبة منذ عقود، وحيث لا وجود فعلياً للقوى الأمنية اللبنانية ولا حتى للسلطات اللبنانية الإدارية. أما الأخطر فهو أن هذا الشريط الذي انسحب منه الجيش السوري، هو منطقة خاضعة اليوم للمعارضة السورية المسلحة. مع شبه سيطرة كاملة عليه لجهاديي جبهة النصرة، أو التسمية السورية لتنظيم "القاعدة". بينما المنطقة اللبنانية المقابلة له، فهي مأهولة بسكان لبنانيين بأكثرية ساحقة من الشيعة. مع ما يعني ذلك من تواجد طاغ لحزب الله فيها. هكذا، وبعد نحو عامين من التوترات الدورية بين هذين المكونين المتناقضين والمتفجرين على جانبي الحدود، وبعد سلسلة طويلة من الاشتباكات المتقطعة بينهما، بات حزب الله الشيعي وجبهة النصرة السنية الأصولية وجهاً لوجه، وعلى امتداد نحو 45 كلم من الجغرافيا اللبنانية السورية المتقابلة، من دون وجود أي قوة أخرى فاصلة او رادعة، لا من الدولة اللبنانية ولا طبعاً من الدولة السورية.
لكن ما لفت الخبراء في هذا التطور المستجد، أنه تم نتيجة إعادة انتشار مفاجئة من قبل الجيش السوري، وفي هذه المنطقة بالذات، وحدها دون سواها. فالجيش السوري النظامي لا يزال موجوداً إلى الغرب من هذه المنطقة، حيث تصير الديمغرافيا اللبنانية المقابلة له سنية لا شيعية. لا بل إن الجيش السوري لا يزال يؤمن انتشاراً فاعلاً في تلك المنطقة ويتعامل بالنار مع حوادث التسلل شبه اليومية لمسلحين سنة اصوليين من لبنان بشكل دائم. كذلك الأمر، إلى الشرق أكثر من تلك المنطقة، لجهة ما يسمى البقاع الأوساط، لا يزال الجيش السوري النظامي منتشراً أيضاً، في مواجهة ديمغرافيا لبنانية سنية كذلك، لا تبعد عن وسط العاصمة السورية دمشق أكثر من 30 كيلومتراً. هكذا إذن، حيث هناك سكان لبنانيون سنة، لا يزال الجيش السوري منتشراً قبالتهم. أما في المنطقة الوحيدة التي تعرف انتشاراً لبنانياً شيعياً، فقد نفذ الجيش السوري انسحاباً تكتيكياً، أفسح في المجال أمام جبهة النصرة لملء فراغه، ما جعلها على تماس مباشر مع حزب الله.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.