رغم الأزمة السياسية، ومأزق الانتخابات النيابية المقبلة، ورغم الأزمة الاقتصادية وسط سلسلة التظاهرات والاعتصامات النقابية، ورغم الوضع الأمني الهش في الداخل والوضع العسكري المتوتر على الحدود مع سوريا... رغم كل ذلك، ينشغل الموارنة في لبنان هذه الأيام، بهاجس آخر: الأمل بانتخاب بابا لبناني
حُمَى أخرى تضاف إلى مجموع الظواهر الآخذة باهتمامات الموارنة في لبنان هذه الأيام. فهذه الطائفة المسيحية العريقة، والتابعة كنسياً لكرسي الفاتيكان، تشارك للمرة الأولى في تاريخها، عبر ممثل لها ضمن مجمع الكرادلة، يحمل صفتي الناخب والمرشح، ولو نظرياً. فالموارنة، الطائفة المسيحية الأكبر عدداً في لبنان (نحو مليون نسمة في بلد الأرز وكلام عن انتشار 6 ملايين ماروني في أنحاء العالم)، والذي ينتمي إليهم عرفاً رئيس الجمهورية في شكل ثابت منذ استقلال هذا البلد عن الانتداب الفرنسي سنة 1943، عرفوا في تاريخهم 4 كرادلة معينين من قبل روما. أولهم كان البطريرك المعوشي الذي صار بطريركاً سنة 1955، ثم كاردينالاً سنة 1965، وتوفي سنة 1975، من دون أن يقدر له المشاركة في انتخاب أي بابا روما. ليخلفه البطريرك خريش، الذي لم يكن قد منح بعد رتبة الكاردينالية عند وفاة البابا بولس السادس، وانتخاب خليفيه الاثنين، يوحنا بولس الأول والثاني سنة 1978. إذ صار خريش كاردينالاً بعد خمسة أعوام سنة 1983. الكاردينال الماروني الثالث كان البطريرك صفير، الذي انتخب بطريركاً في نيسان 1986 وتولى البطريركية المارونية 25 سنة قبل أن يستقيل في شباط 2011. وهو منح رتبة كاردينال سنة 1994. ما سمح له بالمشاركة في مجمع الكرادلة الذي انعقد سنة 2005 بعد وفاة يوحنا بولس الثاني. غير أنه يومها كان قد أصبح في الـ 85 من عمره. أي أنه كان كاردينالاً متقاعداً، لا يحق له أن ينتخب ولا أن يُنتخب. اليوم وللمرة الأولى في تاريخ الموارنة، يشارك بطريركهم الحالي، بشارة الراعي، بصفته كاردينالاً عضواً في المجمع، غير متقاعد، يملك حق الترشح والانتخاب، وهو ما أطلق الآمال لدى كثيرين من الموارنة، بحلم كبير جداً، عنوانه انتخاب بابا لبناني.
حمى هذا الحلم لها الكثير من عناصر تكوينها النفسي. أولها أن البطريرك الراعي عُين كاردينالاً منذ أقل من ستة أشهر، في تشرين الثاني الماضي. وهو ما يرسم في مخيلة موارنة لبنان والعالم، صورة "تدخل الروح القدس"، الذي أوحى إلى البابا المستقيل بتحضير خليفته قبل استقالته! علماً ان بنوا السادس عشر كان قد عين يومها مع الراعي نفسه خمسة كرادلة آخرين. عنصر آخر يساهم في تكوين "أسطورة عمل الروح" تلك، ان البابا المستقيل كان قد قام بآخر زيارة له ضمن ولايته البابوية إلى لبنان. حيث وقع الإرشاد الرسولي الخاص بالشرق الأوسط في 14 أيلول الماضي. وهو ما ترك في أذهان الموارنة آخر صورة له جنباً إلى جنب مع بطريركهم، كما لو أنها صورة احتفال تسلم وتسليم بين خلف وسلف. كما أن عنصرين آخرين لا يخلوان من الطرافة، يرتسمان في أذهان الموارنة في سياق حلمهم هذا. أولهما أن الراعي انتخب بطريركاً بعد استقاله خلفه صفير. وهو يعيش معه منذ عامين كاملين، كبطريرك أصيل وآخر مستقيل في نفس الصرح. وبالتالي يقول الموارنة أنه الكاردينال الوحيد المؤهل لهذه التركيبة: أي أن ينتخب بابا عقب استقالة بابا آخر، وأن يتعايش الاثنان تحت سقف الفاتيكان !! ثانيهما أن الراعي (73 عاماً) انتخب بطريركاً قبل عامين في 15 آذار. كما أن عيد شفيعه، عيد البشارة هو في 25 آذار. علماً أن انتخاب البابا الجديد من المرجح أن يتم بين هذين التاريخين، اللذين يحملان الحظ للبطريرك الماروني دائماً!
غير أن أسباباً أخرى أكثر جدية تدفع الموارنة إلى الاعتقاد بهذا الحلم البعيد. أهمها نظرية أن الكنيسة الكاثوليكية تأتي بحبرها الأعظم لمقاربة مهمة آنية تعتبرها هي – أو يعتبرها الروح القدس - أولوية لها ولمؤمنيها في اللحظة الراهنة. هكذا يعتقد الموارنة أن البولوني كارول فويتيلا اختير بابا سنة 1978 لمواجهة موسكو الستار الحديدي. وليشكل مع ليش فاليسا وزبيغينيو بريجنسكي المثلث البولوني الذي هز عرش لينين. وان الألماني جوزف راتزينغر جاء سنة 2005 ليواجه "الخصم الجديد" بعد الشيوعية، والذي مثله الإسلام السياسي. وهو ما طبقه البابا المستقيل منذ محاضرته الشهيرة في جامعة ريغنسبورغ الألمانية في أيلول 2006. اما اليوم، فيرجو الموارنة أن تكون المهمة الإلهية المطلوب لها بابا فاتيكاني جديد، هي اهتمام الكنيسة الكاثوليكية بمسيحيي الشرق. وهو ما سيقود "الروح" إلى اختيار بطريركهم خليفة جديداً لبطرس.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.