فيما وجهت وزارة الخارجية السورية رسالة رسمية إلى بيروت تهدد بقصف مناطق لبنانية، سيكون بلد الأرز مطلع هذا الأسبوع خالياً من أي مسؤول رسمي كبير، نظراً إلى سفر معظم رؤساء سلطاته الدستورية خارج البلاد. فيما التطورات في منطقة عكار الشمالية الحدودية، تنذر باحتمال تدهور كبير، بدأت أولى خطواته السرية، كما تؤكد معلومات خاصة لموقع آلمونيتور.
يوم الخميس الماضي في 14 آذار، تلقت وزارة الخارجية اللبنانية من مثيلتها السورية كتاباً رسمياً، هو الأول من نوعه منذ بداية الحرب الأهلية في سوريا، يتضمن رسالة تبدو وكأنها أكثر من لوم وتحميل مسؤولية، وأقل من تحذير رسمي أو تهديد سوري للبنان. إذ ذكرت الرسالة أن "مجموعات إرهابية مسلحة قامت خلال ال36 ساعة الماضية وبأعداد كبيرة بالتسلل من الأراضي اللبنانية إلى الأراضي السورية"، مشيرةً إلى أن "القوات السورية قامت بـ"الاشتباك معها على الأراضي السورية وما زالت الاشتباكات جارية". وشددت على أن "القوات العربية المسلحة (الجيش السوري) لا تزال تقوم بضبط النفس بعدم رمي تجمعات العصابات المسلحة داخل الأراضي اللبنانية لمنعها من العبور إلى الداخل السوري، لكن ذلك لن يستمر إلى ما لا نهاية". وأشارت إلى أن "سوريا تتوقع من الجانب اللبناني ألا يسمح لهؤلاء باستخدام الحدود ممرا لهم، لأنهم يستهدفون أمن الشعب السوري وينتهكون السيادة السورية، ويستغلون حسن العلاقات الأخوية بين البلدين". لكن الرسالة تحدثت بوضوح عن احتمال اضطرار لجوء الجيش السوري إلى "قصف تجمعات العصابات المسلحة في لبنان في حال استمر تسللها عبر الحدود".
حاولت بيروت إعطاء انطباع وكأنها تتعامل مع القضية بجدية. لكن المعطيات الفعلية لا تبدو كافية لذلك. فرئيس الجمهورية ميشال سليمان يمضي منذ مطلع الأسبوع الماضي جولة أفريقية له تستمر 9 أيام، على رأس وفد ضخم يضم 93 شخصاً. وهو حاول طمأنة دمشق إلى تعامله بجدية مع "الرسالة" السورية المستجدة، عبر تصريح له من شاطئ العاج. في المقابل يستعد رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي ورئيس البرلمان نبيه بري للسفر يوم الأحد في 17 آذار إلى روما للمشاركة في تنصيب البابا الجديد. فتتحول بيروت خالية من أي وجود رسمي لسلطاتها الدستورية، تماماً كما تبدو حدودها الشمالية المتاخمة للحرب الأهلية السورية، خالية من أي انتشار أمني أو عسكري رسمي فاعل.
ففي مقابل الاهتمام الرسمي اللبناني الكلامي، تبدو الأمور على الأرض أكثر توتراً وقلقاً. ففي الزاوية الشمالية الشرقية من لبنان، باتت الاشتباكات نمطاً يومياً للوضع هناك على جانبي الحدود مع سوريا، في المثلث الشهير السني – الشيعي – العلوي، الذي أشار إليه موقعنا في أكثر من مقال سابق. لكن مستجدات أخرى – استدعت على ما يبدو الرسالة السورية الرسمية - سُجلت في اليومين الماضيين. وذلك في المنطقة الممتدة من ذلك المثلث في اتجاه الغرب، أي في منطقة عكار اللبنانية، والتي تقابلها من الجانب السوري منطقتا ريف حمص شرقاً ومنطقة محافظة طرطوس غرباً. ففي الجانب اللبناني يمتد هذا الشريط الحدودي الشمالي على أكثر من 70 كيلومتراً، متقاطعة الانتماء المذهبي بين انتشار سني وعلوي ومسيحي. وباتت القاعدة أنه حيث الحدود اللبنانية مكونة من قرى أو بلدات سنية أو علوية، ينتشر المسلحون: المعارضون للنظام السوري في البلدات السنية، مثل العبودية، حكر جانين، القشلق، وادي الحور، نورا، الدبابية الغربية، فريديس، صعوداً شرقاً إلى سهل البقيعة ووادي خالد وصولاً إلى حنيدر وقرحا. والمؤيدون له في القرى العلوية، وأبرزها قرية حكر الضاهري، التي تحولت مقراً لأحد السياسيين اللبنانيين العلويين، النائب السابق علي عيد، الذي يقود ابنه رفعت عيد المعركة في مواجهة الجهاديين السنة في مدينة طرابلس عاصمة الشمال اللبناني. أما بين القرى السنية والعلوية، فتبدو البلدات المسيحية في عكار واقعة بين نارين من طرفي الحدود. علماً أن هذا الفرز المذهبي – العسكري على الأرض هناك، هو ما جعل وحدات الجيش اللبناني تنسحب تدريجياً من المناطق المتوترة، في ظل غياب أي قرار رسمي على مستوى الحكومة اللبنانية لضبط الوضع. وهذا ما أدى فعلياً إلى تمركز قوى الجيش اللبناني المتبقية هناك، في القرى والبلدات المسيحية. فالثكنة الأساسية للجيش موجودة في قرية عندقت المسيحية في عكار، فضلاً عن ثكنة أخرى في قرية شدرا المسيحية أيضاً. أضافة إلى مراكز أخرى في غالبية القرى المسيحية، مثل الدبابية الشرقية، منجز، كفرنون، رماح، وبلدة القبيات التي تشكل عاصمة الانتشار المسيحي هناك. علماً أن اللواء الثاني من الجيش اللبناني ينتشر في عكار حالياً، تؤازره كتيبة من اللواء الثامن، وأخرى من فوج المغاوير وهو من وحدات النخبة في الجيش.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.