على مدى عامين من الحرب الأهلية السورية، كان ثمة إجماع من القوى الدولية كما من الأطراف الداخلية، على أن خطراً وجودياً يهدد أقليات تلك البلاد، وفي طليعتهم المسيحيون. لكن رغم الوقائع الكثيرة المؤكدة لهذا التخوف، ورغم التحذيرات والاستنكارات من كل الجهات، بدا وكأن المحظور يتحقق على أرض سوريا. لماذا؟ ربما لأن مأساة مسيحيي سوريا مرتبطة، لا بدوافع دوغماتية أصولية وحسب، بل بحسابات جيو – استراتيجية أيضاً.
في جردة بسيطة وسريعة للمواقف المنددة باستهداف المسيحيين السوريين، يتضح أنه الأمر الوحيد ربما الذي تقاطع الموالون للنظام كما المعارضون له على تأكيده، مع استخدامه في حربهم الإعلامية المتبادلة، أوحتى في إطار نقدهم الذاتي واعترافاتهم بالأخطاء والارتكابات. النظام من جهته لديه تاريخ طويل في تقديم نفسه "حامياً" للأقليات. بحجة أنه من تركيبة حزبية "علمانية"، وأنه كان طيلة عقود على صراع دموي دائم مع الجماعات الإسلامية المتشددة. وفي المعارضة حاول مسؤولوها منذ البداية مراعاة هذا الجانب والتخفيف من الطابع الإسلامي الجهادي الطاغي على فريقها. فكانت محاولات دائمة لتقديم وجوه غير سنية. مثل انتخاب عبد الباسط سيدا، وهو كردي، رئيساً للمجلس الوطني السوري، ومن ثم المسيحي جورج صبرا. أو حتى اختيار كردي آخر، هو غسان هيتو، رئيساً لحكومة الفريق المعارض، من قبل الإخوان المسلمين. غير أن ذلك كله لم يخفف من حالة الذعر لدى الأقليات الدينية السورية، وخصوصاً المسيحيين منهم. ولم يكن ينقص هؤلاء غير سيطرة "جبهة النصرة"، المرتبطة بتنظيم القاعدة، على محاور عدة من جبهات القتال، وفرضها حكماً إسلامياً بحسب الشريعة السنية الأكثر تشدداً، لتتحول الأمور على الأرض إلى نوع من الاضطهاد الديني، في ظل خيارات تتراوح بين التطهير والإبادة والترانسفير.
هكذا منذ بداية تلك الحرب الأهلية بدأت تحذيرات المسؤولين الكنسيين المحليين من مصير أسود لمسيحيي سوريا، مماثل لمصير مسيحيي العراق. فأصدر أساقفة دمشق نداء عاماً في 16 حزيران 2011، موجهاً إلى مسيحيي سوريا، يدعونهم فيه إلى عدم الانجرار في صراع المحاور وضرورة تجنب الرهانات على الجهات الخارجية. ثم حذر البطريرك الماروني بشارة الراعي في باريس، بعد لقائه الرئيس الفرنسي يومها، نيكولا ساركوزي، في أيلول 2011، من الخطر المحدق بمسيحيي سوريا. بعده لم يبق أي مسؤول ديني مسيحي من أي مذهب كان، إلا ورفع صوته: في 29 كانون الأول 2012، انتقد رئيس الكنيسة الإنجيلية في حلب القس إبراهيم نصير، ما وصفه بمواقف فرنسية "تشجّع على هجرة المسيحيين من سورية". وقال "إن خروج أحد المسؤولين الفرنسيين ليقول إن عدد المسيحيين في المنطقة غير كبير والدول الأوروبية قادرة على استيعابهم، وبعدها خروج المانيا لتبدي استعدادها لاستقبال 20 ألف عائلة مسيحية، ليس من باب الحرص علينا أو محبّتنا، بل هو تنفيذ لخطّة ما تم وضعها لإفراغ المنطقة من المسيحيين".
أيضاً بطريرك الروم الكاثوليك الملكيين، غريغوريوس لحام وجه نداء في 12 نيسان 2013، إلى العالم، يذكر أن "في سوريا بين مليون ونصف ومليونين من المسيحيين، من مختلف الطوائف. وفي ما عدا مصر، عدد المسيحيين في سوريا أكثر من أي بلد عربي آخر بما فيها لبنان". ويؤكد أن "مستقبل المسيحيين في سوريا مهدد، ليس بسبب المسلمين، ولكن بسبب الأزمة الراهنة، وبسبب الفوضى العارمة، وبسبب تغلغل فرق إسلامية أصولية متعصبة متشددة متناحرة... وهي التي تتسبب بالإعتداءات على المسيحيين". وتحدث البطريرك ابن إحدى القرى القريبة من دمشق، عن "آلاف الضحايا بين المدنيين، كهنة، رجال، نساء، أطفال، ومئات الآلاف من النازحين والمهاجرين، داخل سوريا، في لبنان والأردن ومصر والعراق وتركيا وسواها، بأعداد كبيرة، غادروا إلى أوروبا ، ولاسيما منها أسوج، وإلى كندا، والولايات المتحدة الأميركية... ما مجموعه بين 250 ألفاً إلى 400 ألف شخص". كما لفت نداء البطريرك مفسه إلى حالات ترانسفير، متحدثاً عن "مغادرة المسيحيين مدنهم وقراهم وأحياءهم ، فهناك قرى بأسرها أفرغت من سكانها المسيحيين ، مثل بلدتي داريا وقرى سواها".
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.