في 8 آذار الماضي كتب موقعنا تحت عنوان: "النصرة وحزب الله وجهاً لوجه للمرة الأولى". عرض المقال المذكور لانسحاب الجيش السوري من خط حدودي طويل بين لبنان وسوريا. وتوقع أن تتحول تلك المنطقة خط تماس حربي مباشراً بين التنظيم الشيعي اللبناني من جهة الجنوب والغرب، والتنظيمات السنية الجهادية لجهة الشمال والشرق. هذا ما يحصل تحديداً منذ أيام في تلك المنطقة. لكن معلومات موقعنا تشير إلى أكثر من ذلك، وباتت ترجح حصول تطور ميداني نوعي على هذا المحور في الأيام القليلة المقبلة.
إنها معركة بلدة القصير، وبالتالي معركة حمص المدينة والمحافظة. هكذا يصف خبراء عسكريون من طرفي الصراع، ما يحصل في الزاوية الشمالية الشرقية من لبنان، المتاخمة لسوريا. بدأت التحضيرات لهذه المعركة قبل نحو شهر ونصف كما كان قد أشار موقعنا. ففي مطلع آذار الماضي، انسحب الجيش السوري من منطقة النبك المقابلة لتلك الزاوية من الجغرافيا اللبنانية. الموالون للنظام قالوا أنها كانت خطوة تكتية، هدفت إلى إخراج "الجهاديين" السنة من مخابئهم وجعلهم يطلعون فوق الأرض في تلك المنطقة، تمهيداً للإطباق عليهم. خصوصاً أولئك الذين كانوا لا يزالون يتحصنون في بعض أحياء مدينة حمص القريبة وفي ريفها. لكن معارضي النظام يؤكدون أن هذا الانسحاب هدف إلى تحقيق أمرين اثنين: أولاً تأمين قوى عسكرية لاستخدامها على جبهات أخرى قريبة، خصوصاً بعد ظهور مؤشرات إلى اقتراب معركة دمشق. وثانياً تكليف مقاتلي حزب الله من شيعة لبنانيين وسوريين المحاور التي انسحب منها الجيش النظامي.
أياً كانت النظريات، يظل مؤكداً أن التطورات على الأرض لم تلبث أن شهدت خطوات نوعية. أهمها تحقيق الجيش السوري ضربتين كبيرتين في معاركه حول دمشق. أولها سيطرته على بلدة داريا جنوب شرق العاصمة، التي تضم نحو 300 ألف نسمة، وكانت معقلاً للمسلحين المعارضين طيلة أكثر من عام. علماً أن مصادر المعارضين تقول أن السيطرة على داريا لم تحصل فعلياً. لكن غارات النظام عليها أدت إلى تدميرها بالكامل وجعلها غير صالحة للجوء المعارضين. ما اضطرهم إلى النزوح عنها لتجنيبها مزيداً من سياسة الأرض المحروقة. أما الخطوة الثانية التي نجح الجيش السوري في تحقيقها فكانت تطويق منطقة الغوطة الشرقية شرق مطار العاصمة. خطوتان سمحتا للنظام باستعادة المبادرة الميدانية في دمشق، مقارنة بالأشهر السابقة حين تعرضت عاصمته لمحاولتي هجوم منذ تموز الماضي.
في شكل متزامن، وفيما كان الجيش السوري يحقق هذين التقدمين إلى الجنوب والشرق من دمشق، كانت تطورات أخرى لا تقل أهمية عسكرية تحصل إلى الشمال والغرب من العاصمة السورية. فخلال الأسابيع التي تلت انسحاب الجيش من ذلك الشريط، اندلعت سلسلة معارك عنيفة هناك بين مسلحي المعارضة من "جيش سوري حر" و"جبهة نصرة" وحركات جهادية سنية أخرى، وبين مسلحين موالين للنظام. المعارضون سارعوا إلى التأكيد بأن هؤلاء هم من الجنود الشيعة، من لبنان والعراق وحتى من إيران. في محاولة لتبرير الموازين العسكرية المتبدلة على الأرض. أما الموالون فيقولون أن انسحاب الجيش السوري النظامي من تلك المنطقة تم بعد تطويع الآلاف من مسلحي أبناء تلك القرى المؤيدين للنظام، تحت عنوان "اللجان الشعبية". وأن هؤلاء بمعظمهم مدربون على السلاح نظراً إلى كون غالبيتهم الساحقة من الذين أدوا خدمتهم العسكرية في الجيش سابقاً. فضلاً عن كونهم من أبناء المنطقة، وبالتالي فهم يعرفون دروبها وجغرافيتها بشكل دقيق ومفصل. على عكس المسلحين "الجهاديين" الوافدين إليها من خارج سوريا. وهذا ما سمح بتسديد ضربات قاسية إلى مسلحي المعارضة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.