أثناء تواصلي مع زملاء في وسائل إعلام عالميّة وعربيّة، لاحظت أنّهم وبعد أن بدأوا الإعداد لتغطيات مكثّفة للخطّة الاقتصاديّة التي أُعلنت في البحر الميت الأحد 26 أيار/مايو الجاري تحت اسم خطّة "كسر الجمود" والتي وصفها البعض بخطّة كيري نسبة إلى وزير الخارجيّة الأميركي جون كيري وأسماها البعض "طبخة كيري"، تراجعوا وقدّموا تغطية مختصرة أو تجاهلوا الخبر. ويعود السبب إلى أنّهم وبعد تحليل الحدث اكتشفوا محدوديّة معناه، وأنّه نوع من طبيخ بحص كالحجارة المشهورة في قصّة الخليفة المسلم عمر بن الخطاب الذي صادف امرأة تضع حجارة في الماء وتوهم أبناءها بأنّها تطبخ طعاماً، عساهم يصبرون على جوعهم حتى يغلبهم النوم.
وكان رجال الأعمال الفلسطينيّون والإسرائيليّون قد أعلنوا أثناء المنتدى الاقتصادي العالمي في منطقة البحر الميت في الأردن، مبادرة أطلقوا عليها "كسر الجمود". وقد علّق كيري عليها بالقول أنّ هذه "خطّة للاقتصاد الفلسطيني أكبر وأكثر طموحاً من أي شيء اقتُرح منذ أوسلو، قبل أكثر من عشرين عاماً"، وأنّها خطّة "تحويليّة" وليست "تدريجيّة"، أي أنّها جذريّة سريعة تغيّر وجه الصراع. ولعلّ حماسة كيري الشديدة تجاه الخطّة هي التي لفتت الانتباه إليها، وجعلت الكثيرين يعتقدون بأنّها خطته.
من أجل وضع الخطّة في إطارها الحقيقي وإدراك مدى أهميّتها، يمكن مقاربتها من زاويتَين اثنتَين: الأولى الملابسات والأحداث التي أنتجتها، أما الثانية فتحليل فرص نجاح الخطّة وأثرها المتوقّع.
بدأت مبادرة رجال الأعمال قبل تولّي جون كيري منصبه كوزير للخارجيّة، ولا علاقة مباشرة له أو لوزارته بإطلاقها. فالخطّة، وبحسب ما جاء في تقرير أعدّته داليا هاتوقا نُشر على موقع "المونيتور" الأسبوع الفائت ، بدأت في حزيران/يونيو من العام 2012 في المنتدى الاقتصادي العالمي ذاته الذي انعقد حينها في اسطنبول. هناك، اتّفق رجال أعمال فلسطينيّون وإسرائيليّون على إصدار وثيقة تضغط على الحكومة الإسرائيليّة والقيادة الفلسطينيّة للعودة إلى التفاوض، وإيصال رسالة تفيد بأنّهم كقطاع خاص يعانون خسائر ويدفعون ثمن الخلافات. ولعلّ ما يؤكّد ذلك، هو أنّ رجل الأعمال الفلسطيني الذي شارك من منصّة إعلان المبادرة، استضاف في بيته في نابلس نهاية العام الفائت، اجتماعاً حمل التسمية نفسها للمبادرة المعلنة "كسر الجمود". وفي ذلك اليوم، شارك في الاجتماع رجال أعمال إسرائيليّون مشهورون، يستثمر بعضهم في المستوطنات الإسرائيليّة. ويبدو أن جون كيري دخل على الخطّ بالتنسيق مع رئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير، ممثّل الرباعيّة الدوليّة الذي يمتلك شركة استشارات وخدمات اقتصاديّة، ومن خدماتها التوسّط التجاري بين الشركات ورجال الأعمال والحكومات . وبعد تسلمه منصبه، أصبح جون كيري مطلاً على اجتماعات رجال الأعمال ومحفزاً لها. فيشير على سبيل المثال إلى رجل أعمال قضى 14 ساعة في حوارات المبادرة في الضفّة الغربيّة ثم ذهب إلى القدس للاحتفال بعيد ميلاده التاسع والستين.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.