قد تكون أولى نتائج معركة مدينة القصير في سوريا، تأجيل الإنتخابات النيابيّة في لبنان. ذلك أن دخول القوى العسكريّة المؤيّدة للرئيس السوري بشار الأسد إلى آخر معاقل المسلّحين المعارضين في ريف محافظة حمص، أدى عملياً على ما يبدو إلى اقتناع مختلف الأطراف اللبنانيّة باستحالة أو بضرورة إرجاء الاستحقاق النيابي اللبناني إلى أجل لم يتمّ التوافق على تحديده بعد. أما كيف انعكست تلك المعركة العسكريّة السوريّة على الأجندة السياسيّة اللبنانيّة، فذلك ما يمكن تفسيره بعاملَين اثنين: الأوّل ميداني على الأرض، والثاني سياسي على مستوى الحسابات الانتخابيّة.
ميدانياً، أدّى سقوط القصير إلى اندلاع جولة جديدة من العنف والاشتباكات المسلّحة في مدينة طرابلس اللبنانيّة، عاصمة الشمال اللبناني وثاني كبرى مدن بلاد الأرز بعد عاصمتها بيروت. علماً أن العلاقة سببيّة مباشرة بين الجبهتَين. فمعركة القصير، بمعزل عن هويّتها كصراع بين النظام السوري ومعارضيه، تعني في الانطباعات المذهبيّة اللبنانيّة انتصاراً لتحالف الأقليّات غير السنيّة على المسلّحين السنّة في المدينة. وكان متوقعاً أن تنطلق ردود الفعل الانتقاميّة الثأريّة تجاهها، في مكانَين محتملَين: في طرابلس أو في غرب العراق. الأولى بدأت فوراً. أما الثانية فما زالت موضع ترقّب وانتظار. لكن المهمّ لبنانياً أن جولة العنف الأخيرة في طرابلس، من جانب الأحياء السنيّة في المدينة ضدّ الحيّ العلوي المحاصر شرقها، جاءت الأعنف منذ خمسة أعوام من التوتّر الذي تعيشه طرابلس. فحصدت حتى كتابة هذه السطور نحو 11 قتيلاً وأكثر من 145 جريحاً. وهذه البؤرة الحربيّة المتفلّتة من أيّ ضبط أو قدرة حسم لأيّ من فريقَي الصراع، باتت تعني عملياً استحالة إجراء الإنتخابات النيابيّة في تلك المنطقة كما في المناطق السنيّة المجاورة، وصولاً إلى عكّار على الحدود الشماليّة للبنان مع سوريا. وهي منطقة تشمل قانونياً ثلاث دوائر انتخابيّة. علماً أن قانون الانتخابات النيابية اللبناني النافذ حالياً، والمفترض أن تُجرى الإنتخابات على أساسه، يفرض حصولها في يوم واحد وفي جميع الدوائر الانتخابيّة من دون استثناء. فضلاً عن أن موازين القوى الانتخابيّة المتقاربة إلى حدّ التساوي بين فريقَيّ الصراع في لبنان، لا تسمح لأي فريق باستئخار انتخابات مقعد نيابيّ واحد. فكيف بدوائر ثلاث تضمّ 18 مقعداً؟ وهو ما سيدفع جميع الأطراف إلى التسليم باستحالة حصول الانتخابات في موعدها القانوني المفترض قبل 20 حزيران/يونيو المقبل، خصوصاً في ظلّ تأكيد وزارة الداخليّة اللبنانيّة عجزها عن إجرائها في المناطق التي تشهد الإشتباكات المسلّحة الحاصلة.
أما السبب الآخر الذي قد يدفع الأطراف اللبنانية إلى القبول بالتأجيل فسياسي بامتياز، ويرتبط بالحسابات الانتخابيّة لكلّ من الفريقَين المتنافسَين في الإنتخابات العتيدة.
فتحالف الجنرال ميشال عون مع القوى الشيعيّة، قد يُعتقد أن له مصلحة مباشرة بالتريّث والانتظار. لأن التطوّرات العسكريّة في سوريا، خصوصاً بعد سقوط القصير وما قد يليه من مستجدّات ميدانيّة، تبدو لمصلحته. وهي قد تساهم على الأقل في إقناع الزعيم الدرزي وليد جنبلاط في التخفيف من اندفاعته ضدّ نظام بشار الأسد، وفي دفعه إلى نوع من إعادة التموضع الوسطي الذي قد يصبّ في خانة تحالف عون – القوى الشيعيّة. وذلك، تماماً كما فعل جنبلاط نفسه في كانون الثاني/يناير من العام 2011، حين تخلّى عن حليفه رئيس الحكومة السابق سعد الحريري ودخل في تحالف جديد مع القوى الشيعيّة وعون، ما أدّى إلى تشكيل حكومة نجيب ميقاتي التي استمرّت حتى استقالة رئيسها في 22 آذار/مارس الماضي. علماً أن رصد مواقف جنبلاط الأخيرة قد يوحي بشيء من هذا التحوّل، وإن كان في بداياته، إذ إنه عمد بشكل واضح إلى التخفيف من انتقاده الأسد والتركيز على ما سمّاه حماية الاستقرار في لبنان. وفي أسوأ الأحوال، يمكن لتحالف عون والقوى الشيعيّة أن يرى أن أفق الحلّ في سوريا بات يؤكّد أن لا تسوية من دون مشاركة موسكو وطهران فيها. وهي مشاركة كافية لضمان موقع هذا التحالف في أيّ حلّ سوري مقبل، بما يحسّن شروط هذا التحالف للتفاوض في لبنان، انتخابياً أو حكومياً.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.