انعكست أخبار سقوط الإخوان في مصر بشكل واسع على الشارعَين العراقي والإيراني، حيث كلا المجتمعَين منشغلان بهموم الديمقراطيّة وبناء الدولة المدنيّة. لكن ردود الفعل أخذت منحيَين مختلفَين في أوساط النخب الثقافيّة للشعبَين.
على الصعيد العراقي، بعث رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي برقيّة تهنئة إلى رئيس جمهوريّة مصر المؤقّت عدلي منصور معرباً عن دعمه لخيار مصر الشعبي. وقال النائب عن ائتلاف المالكي سلمان الموسوي إن سقوط الرئيس المخلوع محمد مرسي كان بسبب وقوعه تحت سيطرة السلفيّين وهذا يبرهن رفض التجربة الدينيّة المتزمّتة للحكم من قبل الشارع العربي. إلى ذلك، حاول قيادي آخر في ائتلاف دولة القانون وهو سامي العسكري أن يفرّق ما بين نماذج الحكم الديني في المنطقة، معتبراً أن سقوط الإخوان لا يمثّل فشل تجربة الإسلام السياسي. ويمثل ردّ الفعل هذا، محاولة للدفاع عن المبادئ الدينيّة لحزب الدعوة الذي ينتمي إليه المالكي، والذي يعتبر الوجه الشيعي للإخوان المسلمين بسب تأثّره العميق بأفكار قادة هذا التيار. وفي السياق نفسه، اعتبر الشيخ محمد اليعقوبي وهو من رجال الدين الناشطين في المجال السياسي، بأن "ثورة الشعب المصري أعادت وحرّرت مصر من خاطفيها المتستّرين باسم الإسلام مكراً وخداعاً". وتأتي هذه التصريحات في سياق الصراع الطائفي القائم في المنطقة، ما دفع بالأحزاب السياسيّة الشيعيّة إلى انتقاد الإخوان على الرغم من مشاركتهم في المبادئ الفكريّة والعمليّة الأساسيّة.
وعلى مستوى المثقّفين الليبراليّين، ظهر ترحيب واسع بسقوط مرسي. فقد اعتبر هؤلاء أن الديمقراطيّة والشرعيّة ليستا مجرّد صناديق اقتراع، بل التزاماً بالحريات العامة وبمبدأ الشراكة الوطنيّة وبحماية حقوق الأقليات وبالثقة المتبادلة بين الشعب والنظام التي نُقضت كلها في عهد حكم الإخوان، بحسب ما أفاد الأكاديمي العراقي كمال طاهر في حديث إلى "المونيتور". من جهته قال الدكتور مشتاق الحلوّ المتخصّص في العلوم السياسيّة لـ"المونيتور"، إن ثورة الشباب أظهرت مطالب واضحة للمرّة الأولى في العالم العربي. فهم أعلنوا أنهم يرفضون الأنظمة الأيديولوجيّة، مطالبين بإدارة الحياة الدنيويّة بمنطق تكنوقراطي بعيداً عن المعتقدات الدينيّة المرتبطة بالخصوصيات الشخصيّة للأفراد. وقد وجّه الحلوّ في مقال له نشرته صحيفة "العالم الجديد" الإلكترونيّة، نصيحة للأحزاب الشيعيّة بأخذ العبرة من تجربة الإخوان مطلقاً عليهم تسمية "إخوان الإخوان". وعليه، ظهرت منشورات كثيرة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك تطالب بإنشاء حركة تمرّد عراقيّة تأسياً بشباب مصر، للضغظ على الحكومة، بسبب عجزها عن تحقيق مطالب الشعب والفساد المستشري فيها ومحاولتها أسلمة المجال العام والتضييق في مجالَي الحقوق العامة والحريّات الشخصيّة.
وعلى الصعيد الإيراني، ظهر ردّ الفعل الرسمي على لسان المتحدّث باسم الخارجيّة الإيرانيّة عباس عراقچي غير مبال بسقوط الإخوان، على الرغم من رغبة الإيرانيّين الكبيرة في تحكيم العلاقات مع مصر في عهد مرسي. ويُفهَم هذا في سياق تصاعد الصراع الطائفي بين الإخوان المسلمين السنّة وإيران الشيعيّة، يضاف إليه اختلاف الطرفين الحادّ بخصوص سوريا. وعلى مستوى المثّقفين الإيرانيّين، ظهرت انتقادات واسعة لتدخّل العسكر في السياسة والإطاحة بالرئيس المنتخب، على الرغم من الاعتراف بوجود أخطاء من قبل مرسي والإخوان. وعليه، اعتبر الأكاديمي والإعلامي الإيراني-الإسرائيلي مئير جاودانفر أن الانقلاب في مصر هو أكبر خطأ استراتيجي في تاريخ هذا البلد، محذّراً من عواقبه الخطيرة التي لن تقتصر على مصر فحسب، بل ستشمل المنطقة كلها. من جهته ركّز المعارض الإيراني أكبر گنجی على الدور السيئ للجيش المصري والفساد المستشري في المجتمع بسببه، متوقّعاً استمرار لا بل تصاعد الأزمة في مصر بعد الانقلاب على الإخوان، بحسب تعبيره. وقد اعتبرت شخصيات موالية للتيار الإصلاحي الإيراني ما حدث في مصر انقلاباً غير شرعي بحسب ما ذكر الباحث الأكاديمي والناشط السياسي المؤيّد للتيار الاصلاحي ياسر ميردامادي في حديث إلى إلى "المونيتور". أضاف أن هذا الحدث سيؤثّر بشكل بارز على مستقبل النموذج الديمقراطي للإسلام السياسي، والذي يعتبره التيار الإصلاحي التقليدي في إيران أمراً ممكناً لا بل مفضّلاً.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.