أصبح انزلاق لبنان إلى متاهة الصراع في سوريا، أمراً واقعاً ومعاشاً. فتدخّل حزب الله في الحرب هناك وإعلان أمينه العام السيّد حسن نصر الله أنه مستمرّ فيها ومستعدّ لتعميق كثافة مشاركته بها في المستقبل، قد وضعا النقاط الواضحة على حروف الجملة السياسيّة والأمنيّة بخصوص أن لبنان بات جزءاً من الأزمة السوريّة وليس فقط متأثراً بتداعياتها. وما يعطي هذا التوصيف بعدَه العملي من الجانب الآخر على الأرجح، هو قيام المجموعات السلفيّة السنيّة بحسب ما يبدو بالردّ على مشاركة حزب الله في حرب سوريا عبر تنفيذ عمليات تفجير ضدّه في داخل لبنان. وآخر هذه العمليات كانت متفجّرة الرويس (15 آب/أغسطس الجاري) التي استهدفت أحد أحياء الطائفة الشيعيّة في منطقة الضاحية الجنوبيّة في بيروت، أبرز معاقل حزب الله في لبنان.
وما كان يتمّ التحذير منه طوال الأسابيع الماضية حول انزلاق لبنان إلى حرب مذهبيّة سنيّة-شيعيّة بالتدرّج، أصبح ملحوظاً الآن. فالأسبوعان الأخيران شهدا تكثيفاً لعمليات الخطف والخطف المتبادل في البقاع الشمالي ما بين أحياء شيعيّة وأخرى سنيّة مجاورة لها. وقد تخلّل ذلك قيام مجموعات سلفيّة بوضع عبوات على طريق بيروت-المصنع المؤدّي إلى الأراضي السوريّة، استهدفت قوافل لحزب الله كانت تسلك هذا الطريق.
ويُنتظَر حالياً على نطاق واسع أن تتصاعد وتيرة هذه الحرب الأمنيّة، وذلك من خلال تكرار التفجيرات وإطلاق الصواريخ ضدّ الحزب فيما الأخير سيكثّف جهده الأمني لتفكيك الخلايا السلفيّة الأمنيّة الناشطة ضدّه. ولكن هذا الصراع الأمني لا تحدث وقائعه في الفراغ، بل وسط احتقان مذهبي (سنّي-شيعي بخاصة) يتفاقم في لبنان. فحين انتشر خبر تفجير الرويس، قام سلفيّون سنّة بتوزيع الحلوى في طرابلس احتفالاً وشماتة. وتجري حالات مماثلة داخل مناطق شيعيّة عنما تصل أخبار انتصارات يحقّقها الجيش السوري على المجموعات الإسلاميّة السنيّة في داخل سوريا .
وصار واضحاً اليوم أن قرار حزب الله بالمشاركة في القتال بسوريا يتّسم بمعنى استراتيجي بالنسبة إليه، وهو غير خاضع لأية مساومة عليه. في المقابل، فإن المجموعات السلفيّة لن تتراجع عن نقل حربها في سوريا إلى لبنان، في حال لم ينسحب الحزب من المعركة السوريّة. لقد وصل الطرفان إلى نقطة اللاعودة. وكلاهما يزعم بأن معركته دفاعيّة. السلفيّون العابرون للحدود اللبنانيّة-السورية يقولون إن الحزب هو الذي بدأ المعركة ضدّهم حينما تجاوز أرضه ليقاتل على أرض أخرى ليس له قضيّة فيها، فيما الحزب يقول إنه خرج لقتالهم في سوريا تحسباً لانتقالهم إلى القتال ضدّه في لبنان بعد انتصارهم على النظام السوري.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.