أعلنت المحكمة الاتحاديّة العليا في العراق قرارها في 26 أب/أغسطس الجاري القضي بإبطال القانون الذي أصدره مجلس النواب، والذي كان يهدف إلى منع رئيس الوزراء نوري المالكي من البقاء في منصبه لدورة ثالثة بعد الانتخابات العامة المقرّرة في العام المقبل.
لم يكن القرار مفاجئاً نظراً للنفوذ الذي يتمتّع به المالكي في داخل المحكمة الاتحاديّة، ولكون القانون المذكور ينقض حكماً سابقاً للمحكمة العليا كان قد قيّد السلطة التشريعيّة للبرلمان. فقد استندت المحكمة في قرار الإبطال إلى تفسيرها السابق للدستور الذي يقول بأن مشاريع القوانين يجب أن تُحال إلى البرلمان من قبل رئيس الجمهوريّة أو رئيس الوزراء لكي تكتسب الصفة الدستوريّة. وبما أن القانون المذكور كان قد أُقر من دون التشاور مع الحكومة، فإنه يعدّ مخالفاً لبنود الدستور.
ويأتي هذا القرار في سياق هجوم مضاد يشنّه المالكي على خصومه، بعد سلسلة من التطوّرات التي كانت قد أضعفت موقفه السياسي. فنتائج انتخابات مجالس المحافظات التي جرت في نيسان/أبريل الماضي، حدّت من نفوذه السياسي بسبب تراجع عدد المقاعد التي حصل عليها ائتلافه مقارنة مع ما كانت عليه في الانتخابات المحليّة التي سبقتها في العام 2009. وقد تأكدّت هذه الحقيقة بعد إنجاز تشكيل الحكومات المحليّة الجديدة والتي فقد فيها المالكي سيطرته السابقة على محافظات مهمّة مثل بغداد والبصرة.
وكان توجّه المالكي نحو تعزيز سلطته وبناء مؤسّسات وأجهزة عسكريّة وأمنيّة وإداريّة مواليّة له، سبباً في شعور الأطراف السياسيّة الأخرى بالخطر وبضرورة العمل للحدّ من سلطته ومنعه من الحصول على دورة ثالثة. وقد شهدت الفترة الماضية تنسيقاً ما بين قوى شيعيّة وسنيّة وكرديّة لمواجهة النفوذ المتزايد لرئيس الوزراء. فالزعيم الشيعي مقتدى الصدر أصبح من أشدّ منتقدي المالكي والمحذّرين من تحوّله إلى ديكتاتور جديد، بينما أدّى تصاعد التوتّر الطائفي وموجة الاعتصامات المستمرّة في المناطق ذات الغالبيّة السنيّة إلى ظهور مزاج سنّي عام مناوئ للمالكي. قبل ذلك، كان المالكي قد تعرّض إلى انتقاد شديد من قبل رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني، على خلفيّة الصراع ما بين بغداد وإربيل حول إدارة الموارد النفطيّة والمناطق المتنازع عليها. وقد قاد اتّفاق هذه الأطراف على خطورة "تفرّد" المالكي ونزعته السلطويّة المتزايدة، إلى نوع من التنسيق في ما بينهم وصل إلى حدّ محاولتهم سحب الثقة من رئيس الوزراء منتصف العام الماضي 2012. وعلى الرغم من فشل عمليّة سحب الثقة، إلا أن تحالف "المتضرّرين من المالكي" ظلّ ينسّق على مستويات أخرى، من بينها تمريره للقانون الذي لا يسمح لرئيس الوزراء بالبقاء في منصبه لأكثر من دورتَين والذي أبطلته المحكمة الاتّحادية ، كذلك قانون تعديل السلطات للحكومات المحليّة والذي تضمّن مواد تمنح تلك الحكومات استقلاليّة أكبر عن السلطة التنفيذيّة. وقد جاء انتعاش تنظيم القاعدة وتصاعد الهجمات ضدّ المدنيين ليعطي انطباعاً بأن المالكي بصفته القائد العام للقوات المسلّحة والمسيطر على وزارتَي الدفاع والداخليّة، قد فشل بإدارة الملف الأمني. وكان المالكي قد تعكّز كثيراً على الادعاء القائل بأنه صاحب الفضل في انتشال العراق من الحرب الأهليّة والحدّ من نفوذ القاعدة والميليشيات الشيعيّة. وبالتالي بدا أن العنف المتصاعد راح يضع إنجازات المالكي الأمنيّة موضع المساءلة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.