تتوالى في الفترة الأخيرة التقارير والمؤشّرات حول الوضع الاقتصادي في لبنان، وكلها تشير إلى التدهور الحاصل على مستوى الماليّة العامة وقطاعات الإنتاج كافة، وكلها تُنبىء بخطورة ما آلت إليه الأمور على المستوى الاقتصادي، في وقت ما من مسؤول حكومي أو آخر في الدولة يتنبّه لها أو ينبّه منها. فتأخذ هذه التقارير والمنشورات للأسف، حيّزاً ثانوياً في وسائل الإعلام التي تسلّط الضوء في صفحاتها الأولى واستهلاليّاتها الإخباريّة وعواميدها على الحدث الأبرز، ألا وهو الأزمة السوريّة في فصولها الدراماتكيّة. بيد أن الأمور من الخطورة بمكان، لدرجة أنها تتطلّب نقاشاً وافياً وقرارات سريعة وحازمة.
وكان آخر هذه التقارير ما صدر عن وكالة التصنيف "بزنس مونيتور إنترناشونال" والذي وضع لبنان في المرتبة 112 عالمياً بين 159 بلداً، وفي المرتبة 12 عربياً بين 20 بلداً عربياً، وذلك لجهة نسبة المخاطر المرافقة لوضعَيه السياسي والاقتصادي. وجلّ ما يفيد به هذا التصنيف هو التأكيد على هشاشة الوضع السياسي في بلاد الأرز وتراجع قدرات الدولة على القيام بوظائفها الأساسيّة وعلى استشراء الفساد في الإدارة وتراجع إمكانيّة الاقتصاد على إطلاق دورة النموّ من دون زيادة في التضخّم.
وقد أضفى على هذا الواقع سواداً، ما صدر عن وزارة الماليّة حول أرقام الميزانيّة للأشهر الستة الأولى من العام 2013 الجاري، إذ بيّن تفاقماً في عجز الخزينة بنسبة 67% مقارنة مع العام السابق وقد بلغ 1.89 مليار دولار أميركي. والجديد في الأمر هو التراجع البالغ في الفائض الأوّلي الذي انحدر بنسبة 98% مقارنة بالعام الفائت. وهذا إذا دلّ على شيء، إنما يدلّ على أن تفاقم العجز لا يعود كما يُشاع إلى تنامي الدين العام حصراً، إنما بشكل أولي إلى تراجع العائدات (-4.2%) وارتفاع النفقات بحسب ما تؤكّد البيانات الفصلية الصادرة عن وزارة الماليّة. فخدمة الدين ارتفعت بنسبة 0.5% فقط بينما ارتفعت سائر النفقات بنسبة 8.8%، لتبلغ إجمالي 6.76 مليار دولار. وهذا يعني أن الاقتصاد يعاني من تراجع في النموّ نتيجة تعاقب الأزمات السياسيّة وتداعيات الأزمة السوريّة. وهو يعاني أيضاً والأرقام أبلغ دليل، من غياب حوكمة مسؤولة وفاعلة وقادرة، تعيد إليه دورة النمو فتزيد من العائدات وتعمل على تقليص العجز عبر ترشيد الإنفاق.
ويبلغ المشهد حدود السورياليّة إذا ما أضيفت إليه اقتراحات وزارة الماليّة في الفترة الأخيرة والقاضية بزيادة الضرائب والرسوم الجمركيّة من دون أي تدبير أو إشارة لجهة حصر النفقات وضبط العجز في ميزانيّة الدولة. نعم، هذا ما يتمّ تداوله في إحدى اللجان النيابيّة الفرعيّة الموكلة اجتراح الحلول من أجل تمويل سلسلة الرتب والرواتب، في حين أن المطلوب هو العكس تماماً أي الامتناع عن إضافة أي عبء ضريبي يقتل في المهد فرص النموّ. فزيادة الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 20% لن يكون لها سوى آثار عكسيّة لما هو مرتجى. فتدبير كهذا من شأنه أن يقلّص النموّ ويحدّ من دورة الإنتاج مع ما يتبع ذلك من مشاكل اجتماعيّة، ليس أقلها تفشّي البطالة وتراجع كافة المداخيل بما فيها عائدات الدولة. أما الزيادات المقترحة على الرسوم الجمركيّة، فهي بمثابة السباحة عكس التيار لأنها تهدّد الاتفاقيات الدوليّة القائمة، لا سيّما تلك التي تأتي ضمن إطار منظّمة التجارة العالميّة والتي تتسبّب في عزلة الاقتصاد اللبناني في لحظة هو بحاجة إلى مزيد من التبادل التجاري بغية تعزيز ميزاته التفاضليّة. وهذا، بغضّ النظر عن الضرر الذي قد يلحق بقطاعَي التجارة والسياحة -وهما ركنَي الاقتصاد اللبناني- اللذين يعانيان من أزمة غير مسبوقة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.