أثارت عمليّة تبادل المخطوفين ما بين تركيا وحزب الله أكثر من سؤال، لجهة توقيتها ودور الأفرقاء كافة في عمليّة الإفراج هذه. كان مفاجئاً للوهلة الأولى ظهور قطر في دور الوسيط، لما يحمل ذلك من مدلولات على مستوى التحوّلات الأخيرة على الساحة الإقليميّة. أما في إخراجها، فكان ملفتاً تخطّي قوى الأمر الواقع الدولة اللبنانيّة وسقوط ورقة التين التي كانت تخفي عيوب البلد الصغير الذي بدا فاقداً أهمّ مقوّمات سيادته وهيبة مؤسّساته وعلى رأسها سلكه القضائي وأجهزته الأمنيّة.
في الإيجابيات، إذا ما دلت عمليّة تبادل المخطوفين إلى شيء إنما تدلّ أولاً إلى أن الأفرقاء المتصارعين على الساحة السوريّة بإمكانهم ولوج طريق المفاوضة إذا ما تراءى لهم مصلحة في ذلك وإذا ما تبيّن لهم أن لا تغيير في موازين القوى أقله على المدى القريب. والملاحظة الثانية التي يمكن تصنيفها إيجابيّة، هي أن لهذه القوى الخارجيّة تأثيراً فاعلاً على المجموعات والفصائل المتحاربة في الداخل، قد يكون بالإمكان توظيفها في اللحظة المناسبة باتجاه تسوية متوازنة وعقلانيّة. وقد يشكّل هذان المعطيان عاملاً دافعاً باتجاه تغليب منطق المفاوضة على منطق المواجهة العسكريّة، بخاصة بعدما بلغت مأساة الشعب السوري حداً لا يمكن لأي ضمير تقبّله وبعد أن تجلى أن ما من إمكانيّة لتغيير موازين القوى على المستوى الميداني.
وما يعزّز منطق العودة إلى لغة المفاوضة هو الدور الذي استطاعت قطر أن تقوم به في عمليّة تحرير المعتقلين، وذلك بقبول إيراني وموافقة تركيّة يتّسم كلاهما بالعقلانيّة والبراغماتيّة. وعلى الرغم من محاولة البعض تصوير الدور القطري على أنه انقلاب رأساً على عقب في الموقف والدور، يبقى أن تحرّك الدوحة هذا ليس سوى باكورة السياسة الجديدة الذي باشرت بها مع وصول الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى السلطة. فالانقلاب الحقيقي في قطر إن جاز تعبير "انقلاب"، هو وصول الرئيس الشاب إلى الموقع الأول بعد إبعاد الأمير حمد بن جاسم والمسافة الذي أخذها الأمير الشاب من المنظمات الجهاديّة والحركات الأصوليّة. ولم يكن غريباً العودة إلى دور الوسيط الذي طالما اضطلعت به الإمارة الصغيرة في جميع الميادين السياسيّة والاقتصاديّة، والذي ساهم في إشعاعها الدبلوماسي وتثبيت دورها المميّز على الساحة الدوليّة.
أما على صعيد تداعيات عمليّة تبادل المخطوفين على الداخل اللبناني، فلا بدّ أولاً من التأكيد أن ما من أحد في لبنان ولا في خارجه إلا وفرح لعودة هؤلاء إلى أهلهم وديارهم. وذلك بخاصة وأن عمليات الخطف والخطف المضاد أعادت إلى ذاكرة اللبنانيّين مشاهد الحرب الأهليّة، عندما كانت هذه الممارسات عنواناً لغياب دولة القانون ولسيادة شريعة الغاب. لكن عمليّة الإفراج هذه حملت في طياتها حزناً عميقاً لأنها كشفت النقاب عن حقائق مرّة إما طمسها النسيان أو تعوّد عليها اللبنانيّون فأصبحت روتيناً وجزءاً من حياتهم اليوميّة. كذلك جاءت هذه العمليّة بعبر ودروس، لا سيّما تكريس "منطق العين بالعين والسنّ بالسنّ"، التي هي على نقيض مبادىء القانون والعدالة التي تُبنى عليها الدولة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.