إن الخطر الأوّل المحدق بالعالم العربي في أعقاب الثورات المتتالية ليس موجة الإسلام السياسي بقدر ما هو حال الفوضى العارمة، نتيجة تفكّك الأنظمة السابقة التي كانت تفرض الأمن من خلال القمع والعنف ونتيجة غياب منظومة حكم بديل يحفظ الأمن ويؤمّن المشاركة في آن. فما يشهده العالم العربي اليوم هو بروز حركات إسلاميّة كانت مقموعة وليس ثورة إسلاميّة عميقة على شاكلة الثورة الإيرانيّة، تستند إلى عقيدة واضحة المعالم كعقيدة ولاية الفقيه. فحركات الإسلام السياسي في مصر كما في تونس منقسمة في ما بينها، وقد تنافست على السلطة في إطار الانتخابات ولم تتوانَ عن عقد تحالفات مع قوى وحركات مدنيّة، ناهيك بأن تجربتها في الحكم ومثال مصر خير دليل على ذلك قد اتسمت بالفشل. لم يكن الأمر بالمفاجىء كون هذه الحركات لا تحمل أساساً مشروع حكم يستند إلى خيارات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة تم اختبارها على أرض الواقع. ومن المفارقة بمكان أن يكون الجيش أو بعض قياديّيه هو من أنقذها، من خلال تحويلها إلى ضحيّة.
باختصار، إن العالم العربي اليوم في أزمة مشروع بناء دولة. وهنا يكمن الخطر والفرصة المتاحة في آن. إنها فرصة للمسيحيّين وبقيّة المجموعات المعترضة على الأنظمة السابقة والمتوجّسة من وصول الإسلاميّين إلى الحكم كي يستعيدوا دوراً من خلال تقديم مشروع حكم يملأ الفراغ الحاصل بفعل سقوط الأنظمة السابقة وفشل تجربة الإخوان في مصر وتعثّرها في تونس.
حمل المسيحيّون في لبنان مشروع الدولة-الوطن، وجعلوا منه مع شركائهم المسلمين منظومة حكم لترجمة ميثاقهم للعيش معاً المبرم في العام 1943 والذي بموجبه رفض المسلمون مشروع الانضمام إلى سوريا ورفض كذلك المسيحيّون في المقابل الحماية الفرنسيّة القائمة بفعل الإنتداب. في الواقع، إن فكرة الدولة القوميّة كانت الفكرة السائدة في أوروبا صاحبة النفوذ الثقافي الواسع في بلاد المشرق والمغرب العربيَّين. وهي في حدّ ذاتها مصطلح نشأ وتطوّر في خلال قرن كامل من الزمن في أعقاب الثورة الفرنسيّة، وقد حمله عصر التنوير في ما حمل من أفكار وقيم أسّست للحداثة وشكّلت في ما شكّلت منظومة ثقافيّة وسياسيّة في مواجهة "القانون الإلهي" وما ترتّب عنه من مؤسّسات سياسيّة واجتماعيّة. بمعنى آخر، قامت الدولة القوميّة في مواجهة الدولة الإلهيّة أي تلك التي تستند إلى القانون الإلهي. استقدم هذا المصطلح الى المشرق إبان عصر النهضة في مطلع القرن الماضي، الذي كان مسيحيّو المشرق من أبرز روّاده. فهم الذين ساهموا بإعادة إحياء اللغة والثقافة العربيّتَين اللتَين كانت قد طمستهما أربع قرون ونيّف من الحكم العثماني. ولمعت أسماء أدباء ومفكّرين من أمثال جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة والياس أبو شبكة وآخرين. في الواقع، كانت النهضة امتداداً لعصر التنوير الأوروبي إذ إنها حملت أفكار الحداثة وأدخلتها إلى اللغة العربيّة. أما على المستوى السياسي، فتُرجِمت هذه الأفكار من خلال مشاريع القوميات التي شكّلت أساساً للأحزاب مثل الحزب السوري القومي الاجتماعي ومؤسّسه أنطون سعادة المسيحي أو حزب البعث العربي ومؤسّساه صلاح الدين البيطار وميشال عفلق. حتى حزب الكتائب اليميني الذي أسّسه الزعيم المسيحي بيار الجميل، فقد استند إلى الفكرة القوميّة.
حمل المسيحيّون إذن مشروع الدولة القوميّة وقدّموه كنموذج للتطبيق في المجتمعات المشرقيّة المتعدّدة والمتنوّعة إثنياً وثقافياً. ومن الجدير ذكره أن فكرة الدولة القوميّة ترافقت وتمازجت مع النظريّة الاشتراكيّة في الحكم ووعودها في توزيع عادل للثروات كما حصل في أوروبا في مطلع القرن الماضي وفي أعقاب الحرب العالميّة الأولى. ولم يعد يُخفى عن بال أحد أن نظريّة القوميات أشعلت أوروبا وأدّت إلى حربَين متتاليتَين. أما النظريّة الاشتراكيّة التي شكّلت لها سنداً، فقد انهارت مع سقوط جدار برلين وتفتّت العالم السوفياتي. حتى نظريّة الدولة الراعية الموروثة منها، فهي تتداعى تحت ضغوط العولمة والبنيان الأوروبي. وليس مفاجئاً أبداً أن تقوم الثورات العربيّة بمواجهة هذه المنظومة التي سقطت في دول المنشأ، وذلك بعد أن أدّت وظيفتها لمرحلة معيّنة. ومن نافلة القول أن مشاريع القوميات العربيّة والدول الناشئة عنها فشلت على المستويات كافة. فهي لم تستطع أن تحقّق المشاركة من خلال الدفع قدماً باتجاه الديمقراطيّة، ولم تفِ بوعودها لجهة التنمية الاقتصاديّة. حتى على المستوى العسكري، خسرت حروبها كافة من أجل استرجاع الحقوق العربيّة المسلوبة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.