بركة لبنان هي قطاعه الخاص الخلاق والمرن، أما نقمته فهي من دون منازع قطاعه العام المبذّر والفاشل. هذه باختصار حال الاقتصاد اللبناني اليوم. قد تكون هذه سمة اقتصادات عديدة من بلدان العالم الثالث. والحقّ يقال إن هذه المقولة في أيامنا هذه لا تفاجىء. فمن علامات اقتصاد العولمة تقدّم القطاع الخاص كمحرّك للنمو وخالق للثروات، على القطاع العام. وذلك على الرغم من الإقرار بوظائف هذا الأخير الأساسيّة في صنع شبكة الأمان الاجتماعي ومكافحة الفقر وتأمين تساوي الفرص وحماية البيئة. فقواعد الحوكمة الجيّدة تقضي بترشيد الإنفاق الحكومي وترشيق الإدارات والمرافق العامة وتحويل المال العام من النفقات الإداريّة الروتينيّة إلى المجالات الاستثماريّة، لا سيّما في قطاعات البنى التحتيّة.
لكن ما نشهده على مستوى أداء الحكومة اللبنانيّة المستقيلة هو عكس ما تقتضيه قواعد الحوكمة السليمة تماماً، أي تنامي عجز الخزينة على حساب النموّ وقدرات القطاع الخاص. فوفق بيانات مؤسسة "باركلاي كابيتال" الصادرة في كانون الأول/ديسمبر الجاري، من المتوقّع أن يبلغ عجز الماليّة العامة في نهاية هذا العام نسبة 10.1% من الناتج القومي مسجلاً نسبة ارتفاع ملحوظة لا بل مقلقة، مقارنة بالسنوات المنصرمة عندما سجلت نسبة العجز نفسها 8.9% في العام 2012 و6.1% في العام 2011. فالفائض الأولي الذي بلغ في العام 2011 4.3% من الناتج المحلي، انهار في السنتَين اللاحقتَين ليتحوّل عجزاً أولياً في العام 2012. وتلك كانت السنة الأولى لحكومة الرئيس نجيب ميقاتي. ومن المتوقّع أن يستمرّ بالارتفاع هذه السنة ليبلغ عتبة 1.7% بعد أن مضت على استقالة هذه الحكومة أكثر من تسعة أشهر. ويأتي هذا بينما تشير التوقعات نفسها إلى أن نسبة النمو لن تتجاوز 1.2% لعام 2013. وهنا بيت القصيد ومصدر القلق: الاقتصاد اللبناني يواجه معضلة خطيرة وهي أن نسبة نمو الاقتصاد (1.2%) هي ما دون نسبة نمو الدين العام نسبةً إلى الناتج القومي، والتي قد تبلغ 4.45% في العام 2013.
فعبء الدين العام إلى تزايد، إذ ارتفعت نسبة الدين على الناتج المحلي من 139.5% في العام 2012 إلى 146.0% في العام 2013. ولا عجب في ذلك، فحكومة "تصريف الأعمال" ماضية في النفقات من دون حسيب ولا رقيب في حين أن عجز الخزينة ارتفع بنسبة 60% في العام 2013. أما مصدر العجز فهو تراجع العائدات بفعل تدهور الوضع الأمني وانكماش الطلب. وخير دليل على ذلك مؤشّر ثقة المستهلك الذي يصدره بنك بيبلوس بالتعاون مع الجامعة الأميركيّة في بيروت. أضف إلى ذلك تدهور القطاع السياحي الذي هو ركن من أركان الاقتصاد اللبناني، وأيضاً تداعيات الأزمة السوريّة على الحركة التجاريّة وعلى شبكة البنى التحتيّة. وليس هذا فحسب. فإلى هذه العوامل التي يعود بعضها إلى أسباب ظرفيّة تتعلق بالأوضاع السياسيّة المحيطة بلبنان وبعضها الآخر إلى سوء إدارة من قبل الفريق الحاكم، تضاف كلفة الفساد العالية. والفساد في لبنان ليس بجديد وهو من المشاكل الهيكليّة المتأصلة التي تعيق تطوّره الاقتصادي والاجتماعي. لكن ما هو جديد هو أن يظهر إلى العلن كما حصل الأسبوع الفائت، حجم هذه الآفة التي ضربت أعلى هرم السلطة. وما تبادل التهم بالرشاوى والتعدّي على الملك والمال العامَين في ما بين وزيرَي المال والأشغال، سوى الصورة الساطعة عن هذا المرض الخبيث المستشري في الجسم اللبناني من أعلى رأسه حتى أخمص قدمَيه. فما كشف عنه الوزيرَين من فضائح لا يثير فقط الإحباط والاشمئزار لدى المواطنين، إنما يدلّ أيضاً على كلفة الفساد الباهظة. والأمر لا يقاس فقط بحجم الهدر أو السرقة إنما أيضاً بالفرص الضائعة وبصورة لبنان لدى المستثمرين والدول الشريكة والمانحة. وما تصنيف الدول الأوروبيّة للبنان سوى دليل إضافي على حالة الانسداد الراهن.
والسؤال الذي يأتي على كل لسان، هو حول كيفيّة تمكّن لبنان من مواجهة هذه التحديات وكيف لم ينهر اقتصاده حتى تاريخه. عبء الدين العام ثقيل وإلى تزايد.. عجز الخزينة يتنامى.. سوء إدارة على مستوى السلطة لا بل قل لا إدارة.. فساد ينهش أجهزته... صحيح أن كل هذا لا ينبىء خيراً ويتطلب معالجة جذريّة وسريعة، إنما "قليلٌ" مكّن البلد الصغير من المقاومة والاستمرار. وهذا القليل هو قطاعه الخاص حيث تكمن قواه الاقتصاديّة الحيّة. صحيح أن تلك القوى مكبّلة بفعل تنامي الدين العام وارتفاع أسعار الفائدة الملازمة له وأيضاً بفعل كلفة الإنتاج العالية، وذلك بسبب غياب الإصلاحات والاستثمارات الضروريّة لا سيّما على مستوى شبكة البنى التحتيّة، فضلاً عن كل الظروف المحيطة بالأوضاع السياسيّة والأمنيّة التي تبعد رؤوس الأموال وتجمّد الحركة السياحيّة.. لكن من الصحيح أيضاً أن قطاعه المصرفي تميّز بمستوى خدماته وبسريّته المصرفيّة، فأصبح عاملاً جاذباً للودائع. هذا بالإضافة إلى سياسة حكيمة من قبل المصرف المركزي تقوم على تثبيت أسعار الفائدة، سهّلت حركة التحويلات الوافدة إلى لبنان. هذه التحويلات منّة على الاقتصاد اللبناني، فهي ما يمكّنه من امتصاص عبء الدين العام. معظم هذه التحويلات تأتي من لبنانيّين يعملون في الخارج أو من مؤسسات لبنانيّة نجحت في تحدي فتح أسواق جديدة في بلدان الخليج العربي وإفريقيا.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.