أزمة "الديمقراطيّة" في العراق
ثمّة توجّه خطير في العراق ومنطقة الشرق الأوسط نحو اعتبار الديمقراطيّة مشكلة. تلك صورة تحاول بعض النخب السياسيّة والثقافيّة التي تحنّ إلى الديكتاتوريّة، تكريسها.
في العام 2003، كانت الديمقراطيّة بنظر العراقيّين حلاً سحرياً للأزمات والكوارث التي خلفتها الديكتاتوريّة، فحاولوا التعبير عن آرائهم بحريّة وممارسة الديمقراطيّة بنوع من الانفلات أحياناً. لكنهم في العام 2013 راحوا يتبنّون أفكاراً مختلفة، فبدأ الحديث يتردّد بشكل أو بآخر عن التنازل عن الديمقراطيّة مقابل الأمن.
هذا ارتداد كبير لا ينسجم مع طبيعة الديمقراطيّة نفسها، التي تتطوّر وتنتشر وتؤسّس لثقافة اجتماعيّة داعمة لها. لكن ما يفسّر هذا الارتداد هو أن العراقيّين لم يمارسوا الحياة الديمقراطيّة بالفعل، وإنما بعض مظاهرها مثل الانتخابات.
الأمر لا يخصّ العراق وحده. فمن مصر إلى ليبيا وتونس وسوريا ودول الخليج وإيران وحتى تركيا، ثمّة ثقافة تحاول الربط قسراً ما بين الديمقراطيّة والفوضى. وهذه الثقافة لم تعد تعقد مقارنات مع الديمقراطيات الراسخة عبر العالم، وإنما مع تجارب فتيّة ومضطربة قامت في بيئات غير مؤاتية فأنتجت تناحراً سياسياً وحروباً أهليّة وفساداً.
تراكم التجارب الفاشلة في المنطقة وتراكم الفشل السياسي والأمني والاقتصادي في العراق على وجه الخصوص، أثّر في الرؤية العامة للديمقراطيّة، بل إن أصواتاً باتت تحمّل الديمقراطيّة نفسها مسؤوليّة هذا الفشل.