يشهد العراق تفاقماً مستمراً في الصراع الطائفي الذي يذهب في اتجاهات مختلفة، ما يجعل من الصعب البقاء على الحياد بالنسبة إلى من لا يريد أن يكون جزءاً من المعركة. وفي آخر تطوّرات هذا الصراع، أشعلت عمليات الأنبار العداء الطائفي بشكل مختلف وبشدّة أكبر بين العراقيّين. ويمكن القول إن ما نشهده اليوم في العراق هو ظهور تركيبة معقّدة من الأحقاد المتراكمة بين المذاهب والمناطق والعشائر العراقيّة، لم يسبق له نظير في تاريخ العراق. فقد اندمجت مشاعر انتقاميّة متنوّعة أضيفَت إلى الشعور الطائفي بين السنّة والشيعة.
لا يحتاج المتابع اليوم إلى جهد كبير لرؤية الشرخ المتفاقم بين العراقيّين. فالحدود الجغرافيّة والقبائليّة والمذهبيّة أصبحت في غاية الوضوح. جغرافياً، أصبحت كلمة "الغربيّة" تستخدم للإشارة الى السنّة المتعاونين مع الإرهاب من قبل عدد كبير من أهل الجنوب. كذلك فإن كلمة "الجنوب" تستخدم للإشارة إلى الشيعة المتعاونين مع إيران العدوّة اللدودة للعراق. وقبائلياً، انقطعت أواصر القربى بين العشائر المنقسمة بين سنّة وشيعة، بالإضافة إلى عزلة القبائل ذات الغالبيّة المطلقة السنيّة أو الشيعيّة. إلى ذلك، ما زال المذهب يلعب دوراً بارزاً في الخصومات بين الأطراف.
وفي أجواء مشحونة مماثلة، ثمّة فئة غير منتمية إلى هذه التقسيمات، وهي منبوذة وتواجه ضغطاً من قبل الجميع. فقد أصبح صوت أهل تلك الفئة مكتوماً وصت أصوات البنادق والمدافع والتصريحات العدائيّة. فقسم منهم غاب عن الساحة تماماً والقسم الآخر محاصر ومهدّد من قبل بيئته الاجتماعيّة الأصليّة والبيئات الاجتماعيّة الأخرى.
تحوّل العراق إلى ساحة صراع بين انتماءات طائفيّة كبرى، وقد انقسم بشكل محدّد إلى ثلاثة كيانات أساسيّة: الشيعة والسنّة والأكراد. هكذا بقي الآخرون خارج اللعبة. فثمّة فئات متنوّعة من الأقليات الدينيّة والعرقيّة التي لا تصنّف نفسها ضمن المثلّث المذكور، لكنها لا تجد نافذة للظهور سوى من خلال أحد الكيانات الثلاثة. فقد تكتّل المسيحيّون مع الأكراد لأنهم وجدوا بيئة أكثر أماناً لهم في إقليم كردستان العراق، وما زال الكثيرون منهم من بين أقليات أخرى يبحثون عن ملجأ لهم في خارج البلاد يمثّل لهم وللعراق "هجرة اللاعودة". وثمّة أعداد كبيرة من الشيعة والسنّة غير المنتمين إلى الهويات الطائفيّة. هم ينتمون إلى هويّة المواطنة العراقيّة، لكنهم مهدّدون من قبل بيئتهم قبل أن يكونوا مهدّدين من قبل غيرهم. فهم يُعتبَرون من قبل أبناء هويّتهم خونة لأنهم لا يهرولون تلبية لنداء طبول الحرب. وما حدث في الأنبار نموذج واضح لمدى صعوبة موقف هذه الشريحة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.