إلى جانب الأسباب الواقعيّة للخلافات في العراق، ثمّة عدد كبير من الصراعات التي تدور حول أوهام لا وجود لها سوى في المخيّلة الجماعيّة للطوائف العراقيّة. لكنها تخلّف آثاراً حقيقيّة على أرض الواقع وتغذّي الصراع القائم بوقود مشعلة لنيران الجحيم القائم في العراق. والمقاتلون في هذه الحروب شأنهم شأن دون كيخوته، الذي تحرّك لنشر الحقّ والعدل والقيم النبيلة إلا أنه سار في طريق الأوهام ليقاتل أعداء لا وجود لهم إلا في مخيّلته، ولم يكسب في النهاية شيئاً بل خسر حياته أيضاً.
الكلّ يعرف أن ثمّة مواضيع خلافيّة بين العراقيّين حول توزيع الثروات الاقتصاديّة وكيفيّة إدارة البلد سياسياً وغير ذلك من الخلافات الجارية في كل بلاد العالم. لكن ما يميّز العراق عن غيره، هو أن العدد الأكبر من الخلافات يدور حول مواضيع غير واقعيّة تماماً وهو مرتبط بالمخيّلة الدينيّة والتاريخيّة للطوائف العراقيّة.
فقد أصبح الدين والتاريخ موضع استغلال واسع النطاق، إذ تخلق الأطراف المشاركة في القتال استمراراً تاريخياً للصراع الديني في البلاد من خلال استحضار مفاهيم وشخصيات تاريخيّة مرتبطة بصراعات دينيّة قديمة عفا الدهر عليها. فتظهر ثنائيات مختلقة لا تمثّل واقع الصراع القائم بقدر ما هي تشعله وتوقده بالأحقاد الدفينة والعصبيات الطائفيّة. فيتحوّل الصراع الموجود إلى حلقة أو مشهد آخر من قتال الحسين بن علي ويزيد بن معاوية الذي دار قبل 14 قرناً في خطاب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أو مقطع جديد من الصراع بين الصفويّين الشيعة والعثمانيّين السنّة الذي دار وانتهى قبل أربعة قرون، وذلك في خطابات خصوم المالكي من أمثال نائب رئيس الجمهوريّة المستقيل طارق الهاشمي.
والغرض من هذه المقاربات التاريخيّة هو إسقاطها على الوضع الحاضر وتصوير الجهة المقابلة على أنها العدوّ التاريخي الذي كان وما زال يقاتل جماعة وهويّة محدّدتَين. وهكذا تتراكم الأحقاد بين العراقيّين الذين يرون أنفسهم أمام عدوّ لا يقاتلهم الآن وحسب، بل هو قاتل آباءهم وأجدادهم وأجداد أجدادهم منذ القدم. ويرجع تاريخ هكذا محاولات إلى عهد النظام السابق الذي أسّس لأيديولوجيا الصراع العراقي-الإيراني ضمن مسيرة تاريخيّة عابرة للقرون والألفيات، من صراعات التاريخ القديم إلى الحرب العراقيّة-الإيرانيّة الأخيرة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.