أخيراً وبعد طول انتظار، انطلقت جلسات المحكمة الدوليّة الخاصة بلبنان والمعنيّة بمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومرافقيه. لم تكن اللحظة عاديّة البتة. لحظة تاريخيّة لأكثر من اعتبار.
أولاً: لم يعتد اللبنانيّون على مثل هكذا مشهد يمثّل برمزيّته صوت العدل والقانون، بخاصة بعد سنوات الشلل والتعطيل للمؤسسات كافة بما فيها المؤسسات القضائيّة التي ألغت نفسها بنفسها بعدما رضخت لقوى أمر الواقع واستسلمت لمنطق الترهيب والترغيب. فلو كان في لبنان قضاء قائم، لما كانت الحاجة إلى محكمة من هذا القبيل. لكن تمّ اللجوء إلى مجلس الأمن بعدما استفحلت في البلد الصغير ثقافة العنف ولم يعد للدولة المركزيّة أي سلطان لردع الجريمة. وكما جاء في كلمة أحد الوكلاء عن المتضرّرين في خلال جلسات الإدعاء، أصبح القانون في لبنان وجهة نظر وأصبحت الجريمة مباحة، يتمّ اللجوء إليها كوسيلة لتغيير موازين القوى إلى درجة أن العين اعتادتها.. فانقلبت المقاييس والقيم كافة بفعل طغيان ثقافة العنف، "ثقافة تقضم التسامح وتهدّد التعايش وتطيح بالتسوية التي عاش في كنفها اللبنانيّون". فمشهد الجلسات الأسبوع الفائت أعاد إلى الأذهان رهبة القاضي وصوت الحق.. عاد ليذكّر بأبسط البديهيات وهي أن "العدل أساس الملك".
ثانياً: تأتي هذه المحاكمة في لحظة تاريخيّة بالغة الدقّة والأهميّة بعدما استفحلت الحرب بين أهل السنّة والشيعة على خلفيّة الصراع الدائر مع إيران. فموضوع المحكمة هو النظر في عمليّة اغتيال زعيم السنّة في لبنان ورمز من رموزه في العالم الإسلامي. وفي الواقع، شكّلت تصفيته الشرارة الأولى في هذه الحرب المذهبيّة التي منذ ذلك اليوم المشؤوم امتدت كالنار في الهشيم. صحيح أن المحكمة تجنّبت الإشارة إلى أي حزب أو نظام وصحيح أن نظامها المؤسّس يحدّد مسؤولية العمل الإرهابي بأفراد وليس بمؤسسات، لكن صحيح أيضاً أن المتهمين الخمسة منخرطون في صفوف حزب الله. وكان أمينه العام السيّد حسن نصرالله قد عبّر عن حمايته هؤلاء، رافضاً قطعاً تسليمهم إلى القضاء بعدما صدرت مذكرات جلب بحقّهم، متحدياً بذلك سيادة الدولة اللبنانيّة والأمم المتحدة التي أنشئت تحت كنفها المحكمة الدوليّة بقرار صادر عن مجلس الأمن في حزيران/يونيو من العام 2007. فلمسار هذه المحكمة ونتائجها آثار على الصراع الدائر في الشرق الأوسط.
ثالثاً: إنها المرّة الأولى التي يشهد فيها العالم العربي محاكمة علنيّة لعمل إرهابي بعدما اعتاد لغة النار وأصبحت الجريمة من يومياته. لا بل إنها المرّة الأولى التي يشهد فيها محاكمة وفق المعايير الدوليّة. فآخر المحاكمات العلنيّة المماثلة كتلك التي وضعت أمام القوس [الرئيس العراقي الراحل] صدّام حسين أو [الرئيس المصري المخلوع] حسني مبارك، لم تخلُ من الانتقادات. وعلى كل حال، فإنها لم تفضِ إلى ترسيخ دولة القانون والحدّ من العنف وترسيخ الوئام بين مكوّنات المجتمع. فمرافعات لاهاي البارحة تميّزت بمهنيّة عالية وعناية بأدقّ التفاصيل. من هنا، حدّدت معايير ليس فقط لما يجب أن تكون عليه المحاكمات إنما أيضاً لمنتقديها والمشكّكين فيها. فيصعب بعد اليوم مواجهة حقائقها وأدلتها وأحكامها إلا بالقدر نفسه من المهنيّة والإحاطة بالتفاصيل.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.