وسط التطوّرات الحكوميّة المتسارعة في لبنان، يبدو أنها لم تكن مجرد مصادفة زيارة أحد المسؤولين الفاتيكانيّين لبيروت. الزائر هو رئيس مجمع الكنائس الشرقيّة في روما الكاردينال ليوناردو ساندري. وهو الرجل الذي ما زال على ما يبدو ممسكاً بملف لبنان لدى الكرسي الرسولي، على الرغم من كل التغييرات التي حصلت في داخل "الكوريا الرومانيّة" بعد انتخاب البابا فرنسيس الأوّل. وهو الرجل الذي يعرف لبنان، كنيسة ودولة وأزمة، معرفة وثيقة. والأهم أنه الرجل الذي رتّب عمليّة انتقال السلطة في داخل الكنيسة اللبنانيّة الكبرى أي الكنيسة المارونيّة قبل أقلّ من سنتَين، حين أقنع البطريرك السابق مار نصرالله بطرس صفير بالاستقالة، ومن ثم أشرف على عمليّة انتخاب في داخل مجمع الأساقفة الموارنة، جاءت بصديقه الأسقف بشاره الراعي إلى سدّة البطريركيّة في آذار/مارس 2011.
من هنا تبرز أهميّة زيارة ساندري للعاصمة اللبنانيّة في هذا الوقت بالذات. ذلك أن أوساطاً مقرّبة جداً من البطريركيّة المارونيّة، كشفت لـ"المونيتور" أن وصول ساندري إلى بيروت يأتي في سياق خطة كنسيّة شاملة لمقاربة الاستحقاق الرئاسي اللبناني، وُضعت في روما على هامش زيارة البطريرك الراعي الأخيرة للفاتيكان، في الأسبوع الأخير من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. ولا يخفي البطريرك الراعي نفسه اهتمامه الشخصي واهتمام الكرسي الرسولي، بالانتخابات الرئاسيّة المقبلة. وهي من المفترض أن تنتج رئيساً جديداً يخلف الرئيس الحالي الذي تنتهي ولايته منتصف ليل 24 أيار/مايو المقبل. وقبل أيام، قال البطريرك الراعي لمجموعة صغيرة من الزوار من بينهم مندوب "المونيتور"، "نعم نحن معنيّون ومهتمّون بالانتخابات الرئاسيّة. ونعم نحن نعتبر عدم إجراء هذه الانتخابات كارثة على كل المسيحيّين وعلى كل اللبنانيّين وحتى على محيطنا". ويكشف الراعي أنه قبل سفره الأخير إلى روما، اتفق مع رئيس الجمهوريّة الحالي ميشال سليمان، من أجل العمل معاً لضمان حصول الانتخابات. وشرح "اتفقت مع الرئيس على ثلاث قواعد لهذا الاستحقاق: لا تمديد لولاية الرئيس الحالي، ولا تعديل للدستور بأي شكل من الأشكال، ولا قبول بأي فراغ في موقع الرئاسة".
ويشرح المقرّبون من الصرح البطريركي خلفيّة هذا الموقف. يقولون إن الراعي يدرك تماماً أن موقع رئاسة الجمهوريّة هو أهم منصب يشغله مسيحي في الدولة اللبنانيّة. لا بل هو أعلى مركز لمسيحي في كل الدول العربيّة وفي كل المشرق. وبالتالي فإن أي تفريط به أو تهاون في آلية ملئه وإبقائه فاعلاً، قد يؤدّي إلى توجيه ضربة قاسية للوجود المسيحي في لبنان، وفي كل المنطقة. يضيف العارفون بنيات البطريرك، أنه يخشى في هذا السياق أموراً عدّة، خصوصاً الوصول إلى صباح 25 أيار/مايو المقبل من دون وجود رئيس جديد منتخب للجمهوريّة اللبنانيّة. ذلك أن تجارب الفراغ الرئاسي السابقة في لبنان، انتهت بشكل دائم وثابت إلى أزمات، وأفضت بدورها إلى تعديلات دستوريّة وبالتالي إلى تغييرات في النظام التوافقي الذي يحكم لبنان. ويخشى البطريرك أن يكون أي تعديل دستوري جديد على حساب المسيحيّين. لذلك فهو يصرّ على حصول الانتخابات الرئاسيّة في موعدها. وكان البطريرك الراعي قد كشف لزواره أنه ذهب إلى روما وأبلغ مسؤوليها هذه القواعد التي وضعها مع سليمان لاستحقاق الرئاسة، وأنه نقل ذلك إلى البابا فرانسيس شخصياً، طالباً منه ومن معاونيه في إدارة دولة الفاتيكان مساعدة البطريركيّة المارونيّة ولبنان على إنجاز ذلك.
وفي هذا السياق أوضح مصدر دبلوماسي لموقعنا، أن الراعي أراد من طلب مساعدة الفاتيكان أموراً عدة أبرزها الآتي: أولاً، تدخّل روما لدى واشنطن من أجل المساعدة على إجراء الانتخابات الرئاسيّة المقبلة. وهو ما تبدو الإدارة الأميركيّة متحمسة له. ثانياً، العمل لدى بعض الجهات الأوروبيّة من أجل إطفاء نغمة التمديد لولاية الرئيس الحالي. وهو ما كان قد ظهر إلى العلن قبل أسابيع قليلة، مع تصريح للسفير الفرنسي في بيروت في 17 كانون الأول/ديسمبر الماضي، أشار فيه إلى تفضيل التمديد على الفراغ. وهو الموقف الذي أثار استياءً بطريركياً، وخشية من أن يتمّ اعتماد هذا الموقف أوروبياً وحتى أميركياً. وهو ما طلب تدخّل روما من أجل تجنّبه. ثالثاً -يتابع المصدر الدبلوماسي نفسه لموقعنا-، يوحي تحرّك البطريرك الراعي بأن لديه لائحة مختصرة من أسماء المرشحين المفضّلين لدى بكركي للانتخابات الرئاسيّة. ولا يستبعد المصدر نفسه أن يكون الراعي يملك في سرّه اسماً واحداً، ولو لم يكشفه حتى اللحظة لدوائر الفاتيكان نفسها. غير أن تحرّكه الحثيث وموقفه الفاعل في هذا الاتجاه يترك انطباعاً كهذا. وهو ما قد يكون يسعى مع صديقه الكاردينال ساندري إلى تحقيقه، لما فيه مصلحة لبنان بحسب ما تراها بكركي وتوافق عليها روما.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.